كانت صلاةُ الجماعةِ تُقامُ في المسجدِ النبويِّ، والكلُّ في سجودٍ خاشعٍ خلفَ النبيِّ ﷺ. طال السجودُ على غيرِ عادةٍ، فساور القلقُ قلوبَ الصحابةِ، أحَلَّ بالنبيِّ ﷺ خطبٌ؟ أم أصابهُ مكروهٌ؟ فرفع شدّادُ بنُ الهادِ رأسَه خلسةً، فإذا بالحَسَنِ سبطِ النبي صلى الله عليه وسلم يركبُ ظهرَ النبيِّ ﷺ. فقد جاء الصبيُّ مع جدّهِ إلى المسجدِ.
وبعد الصلاةِ، سأل الناسُ: يا رسولَ اللهِ، لقد سجدتَ سجدةً أطلتَها حتى ظننّا أنه قد حدث أمرٌ أو أنه يُوحَى إليك؟ فأجابهم النبيُّ ﷺ: كلُّ ذلك لم يكن، ولكنَّ ابني ارتحلني أي اتخذني مركباً، فكرهتُ أن أعجله حتى يقضيَ حاجتَه.
هنا نرى الأبَ الرحيمَ الذي يمنح الأطفالَ بهجةً حتى وهو في أوجِ عبادتهِ للهِ، ليعلّمَ الأمةَ قيمةَ الحنانِ. يجب أن نتذكرَ أن هذا الفيضَ من المشاعرِ جاء في زمنٍ كان البعضُ يرى فيه الأطفالَ عبئاً أو رمزاً للفقرِ والمهانةِ، بل وصل الأمرُ ببعضهم إلى وأدِ البناتِ خشيةَ العارِ. ولم يكن الاحتفاءُ بالأبناءِ سواء كانوا ذكوراً أم إناثاً أمراً شائعاً.
وعندما جاء الأشعثُ بنُ قيسٍ إلى النبيِّ ﷺ، سأله النبيُّ ﷺ: هل وُلِدَ لك ولدٌ؟. قال الأشعثُ: علمتُ وأنا في الطريقِ أنه وُلد لي غلامٌ، ولَوددتُ أن مكانه مأدبةً أُطعمُها أصحابي. حينها تدخل النبيُّ ﷺ قائلاً: لا تقولنَّ ذلك، فإنهم قرةُ عينِ، وإنهم إن ماتوا كانوا أجراً وذخراً. هكذا كان النبيُّ ﷺ يقتلعُ بقايا ثقافةِ الجاهليةِ التي لم تندثر تماماً حتى بعد الإسلامِ.
وفي موقفٍ آخر، رأى أعرابيٌّ النبيَّ ﷺ يُقبّلُ الحسنَ رحمه الله تعالى ، فسأل في دهشةٍ: أوتُقبّلون صبيانكم؟ فواللهِ إنّ لي عشرةً من الولدِ ما قبّلتُ أحداً منهم قط. فغضب النبيُّ ﷺ وقال: وما أملكُ لك أن نزعَ اللهُ من قلبِك الرحمةَ؟ مَن لا يَرْحَم لا يُرْحَم. لقد علّم النبيُّ ﷺ أصحابَه ألا يكتموا فرحةَ المولودِ، بل عليهم إعلانُ البُشرى للأصدقاءِ والأقاربِ. فعندما وُلد ابنه إبراهيمُ، خرج يبشرُ أصحابَه قائلاً: وُلِدَ لي الليلةَ غلامٌ، فسميتُه باسمِ أبي إبراهيمَ.
تأملْ الفارقَ الهائلَ بين موقفِ الأشعثِ وبين تعاليمِ النبيِّ ﷺ. لم تمنع الهيبةُ الرسميةُ النبيَّ ﷺ من إظهارِ العطفِ على الأطفالِ، فقصةُ الصلاةِ التي بدأنا بها تعكسُ جانباً ، ولكن ثمّة مشاهد أخرى فاضت بالرحمةِ أمام الجميعِ، لتكونَ شاهدةً على عظمةِ هذا القلبِ الرحيمِ.
كان النبيُّ ﷺ يُلقي خطبةَ الجمعةِ على منبرِ المسجدِ النبويِّ، وفجأةً ظهر حفيداه الحبيبَانِ، الحسنُ والحسينُ رضي الله تعالى عنهما، وهما يمشيانِ في قميصينِ أحمرينِ طويلينِ، ويتعثرانِ في مشيتهما مراراً. حين رآهما النبيُّ ﷺ، قطعَ الخطبةَ فوراً ونزلَ عن المنبرِ، ثم احتضنَ الصغيرينِ ورفعهما معه إلى المنبرِ وأجلسهما بين يديهِ. ثم قالَ ﷺ: صدقَ اللهُ: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ، نظرتُ إلى هذينِ الصبيينِ يمشيانِ ويعثرانِ، فلم أصبرْ حتى قطعتُ حديثي ورفعتهما.
لقد أثارَ العلماءُ تساؤلاتٍ حول هذا الموقفِ: هل يجوزُ قطعُ خطبةِ الجمعةِ للاهتمامِ بالأطفالِ؟ وهل يبطلُ ذلك الخطبةَ؟ أليس من الأولى تقديمُ العبادةِ على الشؤونِ الدنيويةِ؟ الحقيقةُ أنّ الرواياتِ لا تجزمُ بأنها كانت صلاةَ جمعةٍ، وإن كان الإمامُ النسائيُّ قد بوَّبَ الحديثَ ضمن أحكامِ الجمعةِ. ومع ذلك، يقررُ الفقهاءُ جوازَ الكلامِ أو التدخلِ في الخطبةِ لأمرٍ ضروريٍ، بل قد يكونُ ذلك واجباً؛ كأن يرى الخطيبُ أعمىً يوشكُ أن يسقطَ في بئرٍ، فيجبُ عليه تنبيهُه.
إن الشريعةَ تُعلي من شأنِ القيمِ الإنسانيةِ؛ فإذا وقعَت حادثةُ مرور بجانبِ المسجدِ أثناءَ الصلاةِ، وجبَ قطعُ الصلاةِ لإنقاذِ الأرواحِ، وهنا تصبحُ الإغاثةُ هي العبادةَ الحقيقيةَ! كما أراد النبيُّ ﷺ تعليمَ الأمةِ أنّ الحركةَ اليسيرةَ أو الكلامَ لمصلحةٍ لا يبطلانِ الخطبةَ.
مشهد من المودة والرحمة
ينقلُ لنا أبو هريرةَ رضي الله تعالى عنه صورةً أخرى لهذا الحنانِ النبويِّ، حيث يقولُ: خرجتُ مع النبيِّ ﷺ في وقتِ الظهيرةِ حتى أتى بيتَ فاطمةَ، فقالَ: أثَمَّ لُكَعُ؟ ، يقصد الحسن . فسمعتْ فاطمةُ صوتَ أبيها، وسمعَ الصغيرُ صوتَ جدّهِ، فألبستهُ أمُّهُ ثيابَه وطيبتْهُ، فخرجَ يشتدُ حتى اعتنقهُ النبيُّ ﷺ وقبّلهُ، وقالَ: اللهمَّ إني أحبُّه فأحِبَّه، وأحِبَّ من يحبُّه.
يقولُ أبو هريرةَ: فما رأيتُ الحسنَ بعد ذلك إلا وفاضتْ عينايَ، وما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ منه بعد قولِ رسولِ اللهِ ﷺ. لقد نشأ هؤلاءِ الصبيةُ في ظلالِ القبلاتِ الدافئةِ والكلماتِ الحانيةِ. وهكذا يجبُ أن ينشأَ كلُّ طفلٍ، لكي يدركَ قيمةَ الأبوةِ ومعنى الوفاءِ والرحمةِ.
لم يقتصر حنانُ النبيِّ ﷺ على أحفاده الصغارِ، بل شمل بناته الكبارَ أيضاً. فكان إذا دخلت عليه ابنتُه فاطمةُ، قام إليها ترحيباً بها قائلاً: مرحباً بابنتي. ثم يقبّل يدَها ويجلسُها في مكانه الذي كان يجلسُ فيه. وكذلك كانت تفعلُ فاطمةُ إذا زارها أبوها، تهرعُ لاستقباله وتقبّل يدَه الشريفةَ.
ومع هذا الدلالِ، لم يغفلِ النبيُّ ﷺ عن غرسِ القيمِ الأخلاقيةِ. يُروى أنه كان يقسمُ تمرَ الصدقةِ يوماً والحسنُ معه، فوضع الصغيرُ تمرةً في فمه، فما كان من النبيِّ ﷺ إلا أن أخرجها بيده قائلاً بلغةٍ يفهمها الطفل: كخ كخ، ارمِ بها، أما علمتَ أننا لا نأكلُ الصدقةَ؟. لقد خاطبه بِلُغة الصغار لكنه علّمه درساً عظيماً في العفة، وبيّن له أن هذا الحكمَ يسري على الجميعِ دون استثناءٍ.
في موقفٍ آخر، ذهبت فاطمةُ إلى بيت النبيِّ ﷺ تشكو أثرَ الرحى في يدها وتطلبُ خادماً يعينها، فلم تجده. وعندما عاد النبيُّ ﷺ ليلاً، زارهما وهما في فراشهما، وأرادا القيامَ إجلالاً له، فقال: مكانكما. وجلس بينهما حتى شعرا ببردِ قدميه على صدورهما.
قال لهما ﷺ: ألا أدلّكما على ما هو خيرٌ لكما من خادِمٍ؟ إذا أويتما إلى فراشكما فسبّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبّرا أربعاً وثلاثين؛ فهو خيرٌ لكما من خادِمٍ.
ثم أوضح لها بوضوح: كيف أعطيكِ خادماً وأهلُ الصفةِ تتضورُ بطونُهم جوعاً؟ سأبيعُ هذا الغنائمَ لأطعمَ المساكينَ. لقد كان يرسخُ مبدأ تقديمِ المصلحةِ العامةِ على القرابةِ، ويعلمنا أن الرضا والذكرَ هما زادُ الروحِ الذي يهوّنُ مشقةَ العملِ المنزليِّ.
لقد كان النبيُّ ﷺ صريحاً في توجيهاته، حتى في المحافلِ العامةِ، حيث قال لابنته الحبيبةِ أمام الجميعِ: يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، أنقذي نفسَكِ من النارِ، سليني من مالي ما شئتِ، لا أغني عنكِ من اللهِ شيئاً.
بهذا الإعلانِ، أكد النبيُّ ﷺ أن النجاةَ في الآخرةِ منوطةٌ بالإيمانِ والعملِ الصالحِ، وليس بمجردِ النسبِ. ومع أن الشفاعةَ حقٌّ ثابتٌ للمؤمنين، إلا أنها لا تنالُ إلا بالثباتِ على الحقِ والانتسابِ الصادقِ لهذا الدينِ، فلا شفاعةَ لمن ترك الطريقَ، حتى وإن كان أقربَ الناسِ إليه ﷺ.
يروي عليٌّ رضي الله تعالى عنه مشهداً ينمّ عن حرص النبي ﷺ على عبادة مَن حوله، فكان ﷺ يطرقُ البابَ عليهما في جوف الليل لِيُوقظَهما للصلاةِ قائلاً: ألا تصلّيان؟. فأجابه عليٌّ ذات مرةٍ: يا رسول الله، إنما أنفسُنا بيدِ اللهِ، فإذا شاء أن يبعثَنا بعثَنا. فلم يَرُدَّ عليه النبيُّ ﷺ بكلمةٍ، بل ولى وهو يضربُ فخذَه ويقولُ متمثلاً بآيةٍ من القرآنِ: وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا.
لقد اهتم النبيُّ ﷺ بتعليم الصغارِ روحَ العبادةِ، فدعاءُ القنوتِ الذي نردده في صلاةِ الصبحِ، هو دعاءٌ علّمه النبيُّ ﷺ لحفيده الحسنَ وهو لا يزالُ طفلاً. وكان ﷺ يَرقي الحسنَ والحسينَ بكلماتٍ حفظاها جيداً، وكان يقولُ لهما: إنَّ أباكما أي إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يُعوِّذُ بها إسماعيلَ وإسحاقَ. هكذا تكونُ رعايةُ الطفولةِ. إيمانٌ يوقرُ في القلبِ منذ الصغرِ.
في مجتمعٍ كان يرى في البناتِ عبئاً، قلب النبيُّ ﷺ الموازينَ بفيضِ مَحبتِه. يُحكى أنه أُهديت إليه قلادةٌ، فقال: لأدفعنَّ هذه إلى أحبِّ أهلي إليَّ. فتهامست الزوجاتُ بأنها ستكونُ من نصيبِ ابنةِ أبي بكرٍ أي عائشة. لكنَّ النبيَّ ﷺ دعا أُمامةَ بنتَ زينب حفيدته، وعلّق القلادةَ في عنقها بيده الشريفةِ.
عاش النبيُّ ﷺ مرارةَ الفقدِ، فقد مات أولادُه وبناتُه في حياته إلا فاطمةُ. وعندما احتضرَ ابنٌ لابنته زينب، أرسلت إليه تطلبُ حضورَه، فأرسل إليها يُعزيها ويُصبرها قائلاً: للهِ ما أخذَ وله ما أعطى، وكلُّ شيءٍ عنده بأجلٍ مسمى، فلتصبرْ ولتحتسبْ.
ثم قام ﷺ وذهب إليها، ووضع الصبيَّ في حجره ونفسُه تضطربُ، ففاضت عيناهُ بالدموعِ. سأله سعدٌ مستغرباً: ما هذا يا رسولَ الله؟، فأجابه ﷺ: هذه رحمةٌ جعلها اللهُ في قلوبِ عبادِه، وإنما يرحمُ اللهُ من عبادِه الرحماءَ.
وحين فارق ابنُه الصغيرُ إبراهيمُ الحياةَ، وقف النبيُّ ﷺ عند قبره والدموعُ تنهمرُ من عينيهِ، وقال بلسانِ الصابرِ المحتسبِ: يا إبراهيمُ، لولا أنه أمرٌ حقٌّ، ووعدٌ صدقٌ، وأنَّ آخِرنا سيلحقُ بأولِنا، لَحَزِنَّا عليك حُزناً أشدَّ من هذا! تدمعُ العينُ، ويحزنُ القلبُ، ولا نقولُ إلا ما يرضي الربَّ، وإنا بفراقِكَ يا إبراهيمُ لمحزونونَ.




