- أين المرأةُ التي كانت تكنِس المسجدَ؟ لا أراها.
- لقد ماتتْ.
- واأسفاه، لِمَ لم تُخبروني بموتها؟
- ظننّا أن الأمرَ بسيطٌ ولا يستدعي إخبارَك.
- أروني قبرَها.
فدلّوه على القبرِ، فذهب النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليه وتبعه الصحابةُ. فصلى النبيُّ على تلك المرأةِ، وصلّى الناسُ خلفه، ثم دعا لها قائلاً: إن هذه القبورَ مملوءةٌ ظلمةً على أهلها، وإن اللهَ ينوّرها بصلاتي ودعائي.
تأملوا هذا المشهد. رئيسُ دولةٍ يسأل عن امرأةٍ بسيطةٍ كانت تكنس المسجدَ، ويغضبُ حين يعلم بموتها دون إخباره، ثم يبحث عن قبرها، ويصلي عليها، ويجمعُ الناسَ للدعاء لها.
وفي المدينةِ، كانت الجاريةُ الصغيرةُ تأخذ بيد النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فتمضي به حيث شاءت. كان النبيُّ حاكمَ الدولةِ الإسلاميةِ، وفي عصرِ الجاهليةِ كان العبيدُ هم الفئةَ الأكثرَ تهميشاً. والنساءُ لا قيمةَ لهن، والأطفالُ مهملون تماماً. تخيلوا.. أمةٌ، وجاريةٌ، وصغيرةٌ.. تحمل كلَّ معاني الضعفِ، ومع ذلك تقود يدَ ملكِ العربِ إلى حيث تريد. سبحان الله...
لا حاجةَ لانتظارِ الحاكمِ، ولا خوفَ من أنّه لن يتحدّث إلا مع كبارِ المسؤولينَ. لا قلقَ من عدمِ القدرةِ على رؤيتِهِ أو لمسِهِ. لا شعورَ بالنقصِ لكونِ الشخصِ عبداً، ولا خوفَ من إهمالِ الصغارِ، ولا خجلَ من كونهنّ نساءً. لا خوفَ من ضيقِ الوقتِ، ولا شروطَ للمكانِ، ولا حاجةَ لمواعيدَ مسبقةٍ أو وساطاتٍ. هذا هو النبيُّ.. قدوةُ التواضعِ. وكما ورد في الحديثِ: إِنْ كَانَتِ الْوَلِيدَةُ مِنْ وَلَائِدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَجِيءُ فَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَمَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهَا حَتَّى تَذْهَبَ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ. ( أخرجه ابن ماجه)
حقوق الخدم في هدي النبوة
لقد جسّد النبيُّ صلى الله عليه وسلم أسمى معاني الإنسانية في التعامل مع الخدم، مراعيًا تعبَهم ومعاناتِهم أمام حرارة الموقد ودخان الطعام. ومن أجمل ما ورد في إنصافهم وتقدير قيمتِهم قوله: إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، قَدْ كَفَاهُ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ، فَلْيُقْعِدْهُ مَعَهُ فَلْيَأْكُلْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الطَّعَامُ مَشْفُوعًا أي قليلاً فَلْيَضَعْ فِي يَدِهِ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ (رواه مسلم).
وَثَمَّةَ إعلانٌ نبويٌّ خالدٌ تخرُّ له المنظماتُ العماليةُ العالميةُ إجلالاً، حيث قال: أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ. كما نهى النبيُّ عن تعنيفِ الخدم أو ضربِهم، ولم يضرب رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم امرأةً ولا خادمًا قط، بل كان يغضبُ بشدةٍ ممن يفعل ذلك.
وجاءه رجلٌ يسألُه: يا رسول الله، إنّ لي خادمًا يسيءُ العملَ ويظلمُني، أفأضربُه؟ فسكت النبيُّ، ثم أعاد الرجلُ السؤالَ، وفي الثالثة أجابه: اعْفُ عَنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً.
ولم يقتصر الأمرُ على حسن المعاملة، بل حثَّ النبيُّ على إدخال السرورِ على قلوبهم بالهدايا والصدقات. يروي أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبيَّ أمر بصدقةٍ، فقال رجلٌ: عندي دينارٌ. قال: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ. قال: عندي آخرُ. قال: أَنْفِقْهُ عَلَى زَوْجَتِكَ. قال: عندي ثالثٌ. قال: أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ. وهذا يدلُّ على أن الخادمَ يأتي في مقدمةِ الأولوياتِ بعد النفسِ والأهلِ.
أما عن تعاملِه الشخصيِّ مع من خدمه، فنذكرُ أنسَ بن مالك رضي الله تعالى عنه، الذي خدم النبيَّ عشرَ سنين منذ كان طفلاً في العاشرة حتى تُوُفِّيَ النبيُّ وأنسٌ ابنُ عشرين عامًا. كان أنسٌ يرى خدمته للنبيِّ فخرًا وسعادةً لا عبئًا، ووصف يومين لا ينساهما: يومَ قدومِ النبيِّ للمدينة، يوم الفرح الأكبر، ويومَ وفاتِه، أشد الأيام حزنًا.
يقول أنسٌ واصفًا رقةَ النبيِّ: كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من أحسنِ الناسِ خُلُقًا. أرسلني يومًا لحاجةٍ، فمررتُ بصبيانٍ يلعبون في السوقِ فوقفتُ أنظرُ إليهم، فجاء النبيُّ من خلفي وقبض على قفايَ وهو يبتسمُ، وقال: يا أُنَيْسُ، أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟. قلتُ: نعم، أنا أذهبُ الآن يا رسول الله.
ويؤكد أنسٌ أنه طِيلةَ عشرِ سنواتٍ، لم يقل له النبيُّ أُفٍّ قط، ولم يقل لشيءٍ صنعه: لِمَ صَنَعْتَه؟، ولا لشيءٍ تركه: لِمَ لَمْ تَصْنَعْه؟. وهذا يعكسُ كمالَ أدبِ النبيِّ وفطنةَ أنسٍ في القيام بمهامه دون تقصير.
لم يكتفِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعدم توبيخِ أنسٍ بنفسه، بل كان يمنعُ أهلَ بيتِه من لومِه أيضًا. يقولُ أنسٌ رضي الله تعالى عنه: خَدَمْتُ النبيَّ عَشْرَ سِنينَ، فَمَا أَمَرَنِي بِأَمْرٍ فَتَوَانَيْتُ عَنْهُ أَوْ ضَيَّعْتُهُ فَلَامَنِي، فَإِنْ لَامَنِي أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ قَالَ: دَعُوهُ، فَلَوْ قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ كَانَ.
ولم يغادرِ الخدمُ مجلسَ النبيِّ إلا بدعواتٍ صالحةٍ نالوا بركتَها في حياتهم. زار النبيُّ ذات يومٍ منزلَ أنسٍ، فقدمت له أمُّه أمُّ سليمٍ رطبًا وسمنًا، فقال: إِنِّي صَائِمٌ، رُدُّوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ، وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ. ثم قام فصلى بهم صلاةً غيرَ مفروضةٍ، ودعا لأمِّ سليمٍ وأهلِ بيتها. فقالت أمُّ سليمٍ: يا رسول الله، إن لي خُوَيْدِمًا تعني أنسًا فادعُ اللهَ له. يقول أنسٌ: فدعا لي بكل خيرٍ من خيريِ الدنيا والآخرة، ثم قال: اللهمَّ ارْزُقْهُ مَالًا وَوَلَدًا، وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ.
فاستُجِيبَتِ الدعوةُ، فكان أنسٌ أكثرَ الأنصارِ مالاً وولدًا، حتى بلغ أحفادُه المئةَ، وعاش طويلاً حتى كان آخِرَ من مات من الصحابةِ عن عمرٍ يناهزُ 103 أعوامٍ.
وكان للنبيِّ غلامٌ يهوديٌ يخدمُه، فلما مَرِضَ الغلامُ ذهب النبيُّ لعيادتِه. أدرك النبيُّ أن الموتَ يقتربُ من الغلامِ، فَرَقَّ قلبُه له وأراد له النجاةَ من النارِ وفاءً لخدمته، فقال له برفقٍ: أَسْلِمْ يا بني. فنظر الغلامُ إلى أبيه، فقال له الأبُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ. فأسلم الغلامُ ثم مات مؤمنًا، فخرج النبيُّ وهو يقول: الحَمْدُ للهِ الذي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ.
أما ربيعةُ بن كعبٍ الأسلمي، فقد كان نموذجًا في التفاني، إذ كان يُعِدُّ للنبيِّ وضوءَه وسواكَه ويلازمُه طوالَ اليومِ، بل ويبيتُ عند بابِه بعد صلاةِ العشاءِ تحسبًا لأيِ حاجةٍ، حتى يغلبَه النومُ وهو يسمعُ تسبيحَ النبيِّ. وإكرامًا لهذا الودِّ، قال له النبيُّ يومًا: يَا رَبِيعَةُ، سَلْنِي أُعْطِكَ.
طلب ربيعةُ مهلةً للتفكيرِ، ثم قال: لقد تأملتُ فوجدتُ أن الدنيا فانيةٌ، وأنا أملكُ ما يكفيني فيها، لذا سأطلبُ للآخرةِ. وعندما سأله النبيُّ في اليومِ التالي: مَا حَاجَتُكَ؟.
قال ربيعةُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ.
تعجب النبيُّ وسأله: أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟.
قال: هو ذاك.
فقال النبيُّ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ.
وهكذا نال الخادمُ ربيعةُ وعدًا بأعلى منزلةٍ في الجنةِ.




