لقد ظلَّ الرجلُ يبحثُ عن طعامٍ لزوجتِه النفساءِ خمسةَ أيامٍ، وفي النهايةِ دفعَ خمسةً وثمانين دولاراً ليحصلَ فقط على نصفِ كيلو من الأرزِّ وقطعٍ قليلةٍ من اللحمِ. هناكَ الكثيرونَ ممن يأكلونَ أوراقَ الشجرِ وعلفَ الحيواناتِ بل وحتى الطينَ من شدةِ الجوعِ. لكنَّ المواليدَ الجددَ لا يمكنُهم تناولُ ذلكَ، فصاحتِ الأمهاتُ بأعلى صوتهنَّ قائلاتٍ إنَّ الثديَ لا يدرُّ قطرةَ حليبٍ.
لقد قطعوا الماءَ أوّلاً، ثم سُبلَ الحصولِ على الغذاءِ. دُمِّرَتِ المساكنُ بالقصفِ، وقُطِعَتِ الكهرباءُ. وبينما يعيشُ الملايينُ في الخيامِ وتحتَ الأشجارِ وبين ركامِ البيوتِ التي هدمَتْها الجرافاتُ، يعانونَ من الرياحِ القويةِ والأمطارِ والبردِ القارسِ والظلامِ والأوبئةِ، تُصَبُّ عليهم القنابلُ الفتاكةُ.
قُتِلَ ثلاثونَ ألفَ شخصٍ بينهم نساءٌ وأطفالٌ، وأُصيبَ أكثرُ من سبعينَ ألفاً بجروحٍ بليغةٍ. وهناك أكثرُ من عشرةِ آلافِ مفقودٍ، وعشراتُ الآلافِ يواجهونَ الفظائعَ بعد اعتقالِهم.
تُسْرَقُ أعضاءُ الموتى، وتُنبشُ القبورُ بالجرافاتِ لإخراجِ الجثامينِ. وبينما ينغمسُ العالمُ حولهم في الملذاتِ ويبحثونَ عن طرقٍ للهضمِ، يُبادُ أكثرُ من مليونِ إنسانٍ في غزةَ. لقد قرأنا عن طفلةٍ أكلت أصابعَها من شدةِ الجوعِ. وحتى أولئك الذين وقفوا في طوابيرَ للحصولِ على طردٍ غذائيٍّ بعد أشهرٍ من الجوعِ، أطلقَ شياطينُ الإنسِ النارَ على صدورِهم.
لنذهب الآنَ إلى مكةَ، وتحديداً إلى شعبِ أبي طالبٍ. هل واجهَ النبيُّ ﷺ مثلَ هذا الحصارِ؟ سنجدُ الإجابةَ في تاريخِ السيرةِ، حيث حدثَ ذلكَ في العامِ السابعِ للبعثةِ، في غرةِ محرمٍ.
حين رأى قريشٌ أنَّ الإسلامَ ينتشرُ، زادَ قلقُهم وقرّروا قتلَ النبيِّ ﷺ وطالبوا بتسليمِه. لكنَّ بني هاشمٍ وبني المطلبِ وهم الأقاربُ الأدْنَوْنَ رفضوا ذلكَ.
فاجتمعَ الأعداءُ في وادي مُحَصِّبٍ وقرّروا مقاطعةَ بني هاشمٍ وبني المطلبِ تماماً. منعوا المصاهرةَ والتجارةَ والمجالسةَ والكلامَ معهم، ولا صلحَ حتى يُسَلَّمَ محمدٌ ﷺ للقتلِ. كُتِبَتِ الوثيقةُ وتعاهدوا عليها ثم عُلِّقَتْ داخلَ الكعبةِ. كتبَها الشقيُّ بغيضُ بنُ عامرٍ. عانى بنو هاشمٍ وبنو المطلبِ مؤمنُهم وكافرُهم من حصارٍ وحشيٍّ في الشعبِ، باستثناءِ أبي لهبٍ الذي انضمَّ إلى الأعداءِ.
اشتدَّ الحصارُ وانعدمَ الطعامُ. فكان الأعداءُ يشترونَ كلَّ بضاعةٍ تصلُ مكةَ ليحرموا المحاصرينَ منها. وصل بهم الجوعُ إلى أكلِ الأوراقِ والجلودِ. سُمِعَ صراخُ الأطفالِ من شدةِ الجوعِ حتى في الأماكنِ البعيدةِ. لم يصلْهم شيءٌ إلا ما كان يسرِّبُه بعضُ الناسِ سراً. ولم يكونوا يخرجونَ إلا في الأشهرِ الحرمِ، وحتى حينها كان الأعداءُ يزايدونَ عليهم في الأسعارِ حتى لا يستطيعوا الشراءَ. واستمرَّ هذا الحصارُ ثلاثَ سنواتٍ.
حكيمُ بنُ حزامٍ هو الصحابيُّ الوحيدُ الذي وُلِدَ داخلَ الكعبةِ، وهو ابنُ أخي السيدةِ خديجةَ زوجةِ النبيِّ ﷺ. لقد أنفقتْ خديجةُ أموالَها كلَّها في سبيلِ دعوةِ النبيِّ ﷺ. ورغم كبرِ سنِّها وإغراءاتِ قريشٍ الكثيرةِ، اختارتِ الجوعَ والثباتَ، فكانت مع زوجِها الحبيبِ في شِعبِ أبي طالبٍ. لم يحتملْ حكيمٌ رؤيةَ عمتِه في هذا الحالِ، فذهبَ إليها حاملاً بعضَ القمحِ. لكنَّ أبا جهلٍ كشفَ الأمرَ وحاولَ منْعَه، لولا تدخلُ أبو البختريِّ الذي أنقذَ حكيمَ بنَ حزامٍ.
خلال هذا الحصارِ الشديدِ، حَمَى أبو طالبٍ ابنَ أخيهِ بكلِّ ما أوتيَ من قوةٍ. وكان القلقُ يساورُ أبا طالبٍ كلما جنَّ الليلُ؛ خوفاً من أن يحددَ الأعداءُ مكانَ نومِ محمدٍ ﷺ ليقتلوه. لذا، كان يُغَيِّرُ مكانَ نومِ النبيِّ بين الحينِ والآخرِ كنوعٍ من الحمايةِ.
طالَ الحصارُ ومرّتْ ثلاثُ سنواتٍ، حتى بدأتْ قلوبُ بعضِ رجالِ قريشٍ تملُّ من هذا الظلمِ. ففي كلِّ زمانٍ ومكانٍ يوجدُ أناسٌ ذوو ضميرٍ حيٍّ. وكان هشامُ بنُ عمروٍ من بني عامرِ بنِ لؤيٍ هو من قادَ التحركَ ضدَّ حربِ التجويعِ هذه، حيث كان يُوصِلُ الطعامَ إلى الشِّعبِ خفيةً في منتصفِ الليلِ.
ذهبَ هشامٌ إلى زهيرِ بنِ أميةَ وقال له: يا زهيرُ، أتأكلُ الطعامَ وأخوالُكَ جائعون؟. فأجابَ زهيرٌ: ويحكَ، ماذا أفعلُ وأنا رجلٌ واحدٌ؟ لو كان معي رجلٌ آخرُ لسعيتُ في نقضِ هذه الصحيفةِ. فقال هشامٌ: لقد وجدتَ الرجلَ، أنا معك.
ثم توجهَ هشامٌ إلى المطعمِ بنِ عديٍّ وذكّرَه بمصابِ بني هاشمٍ وبني المطلبِ. فقال المطعمُ: نحن بحاجةٍ إلى رجلٍ رابعٍ.
فتعهدَ هشامٌ بذلك وذهبَ إلى أبي البختريِّ، الذي سألَ عمّن سيساعدُهم، فأخبرَه هشامٌ بزهيرٍ والمطعمِ وبنفسِه. ثم بحثوا عن رجلٍ خامسٍ، فكان زمعةُ بنُ الأسودِ الذي وافقَ فوراً على الانضمامِ إليهم. اجتمعَ هؤلاءِ الخمسةُ في منطقةِ الحجونِ ورسموا الخطةَ لكسرِ الحصارِ، واتفقوا على أن يبدأَ زهيرٌ بالحديثِ.
وفي الصباحِ، ذهبوا إلى الكعبةِ، فطافَ زهيرٌ بالبيتِ مرتدياً حلةً جميلةً، ثم نادى في الناسِ: يا أهلَ مكةَ، أنأكلُ الطعامَ ونلبسُ الثيابَ وبنو هاشمٍ هلكى لا يُباعُ ولا يُبتاعُ منهم؟ واللهِ لا أقعدُ حتى تُشَقَّ هذه الصحيفةُ الظالمةُ.
هنا اعترضَ أبو جهلٍ قائلاً: كذبتَ، واللهِ لا تُشقُّ. فردَّ عليه زمعةُ: أنت واللهِ أكذبُ، ما رضينا كتابتَها حين كُتبتْ. وقال أبو البختريِّ: صدقَ زمعةُ، لا نرضى ما كُتبَ فيها. وأيدَّهم المطعمُ وهشامٌ مؤكدينَ براءتَهم من تلك الصحيفةِ. حينها أدركَ أبو جهلٍ أن الأمرَ دُبِّرَ بليلٍ في مكانٍ آخرَ.
في غضونِ ذلك، أخبرَ النبيُّ ﷺ عمَّه أبا طالبٍ أنَّ الأرضةَ أكلتِ الصحيفةَ التي كتبتها قريشُ. فسألَ أبو طالبٍ: أربُّكَ أخبركَ بهذا؟، قال: نعم. فتوجهَ أبو طالبٍ مع رهطٍ إلى زعمائهم وقال: إن كان ابنُ أخي كاذباً خلّيتُ بينكم وبينَه، وإن كان صادقاً رجعتم عن قطيعتِنا. فوافقوا على ذلك. وبينما كان الجدالُ مستمراً، أخرجَ المطعمُ بنُ عديٍّ الصحيفةَ ليمزقَها، ففوجئوا بأنَّ الأرضةَ أكلتْها كلَّها، ولم يبقَ منها إلا جملةُ باسمِكَ اللهمَّ.
عند ذلك، أُعْلِنَ بطلانُ الصحيفةِ. وكان ذلك في شهرِ محرمٍ من العامِ العاشرِ للبعثةِ، حيث خرج بنو هاشمٍ وبنو المطلبِ من شِعبِ أبي طالبٍ. وأمام هذه المعجزةِ العظيمةِ التي أثبتتْ نبوةَ الرسولِ، وقف قريشٌ مذهولينَ، لكنهم لجأوا إلى أسلوبِهم المعتادِ في الإنكارِ، فقالوا: إنَّ محمداً ساحرٌ ماهرٌ. وفي هذا السياقِ نزل قولُ اللهِ تعالى: وَإِن يَرَوۡا۟ ءَایَةࣰ یُعۡرِضُوا۟ وَیَقُولُوا۟ سِحۡرࣱ مُّسۡتَمِرࣱّ. (القمر: 2)




