- يا بلالُ، هل تعلمُ كم بقيَ من هذا الشهرِ؟
- لم يبقَ إلا القليلُ.
بقيَ أربعةُ أيامٍ فقط، إن لم تسدّدِ المالَ الذي عليكَ فسأقبضُ عليكَ. هل ظننتَ أني أعطيتُك المالَ كرامةً لكَ؟ أبداً، لم يكن حباً فيك ولا في محمدٍ. إنما أردتُ استعبادَك لترعى غنمي كما كنتَ تفعلُ سابقاً. لقد كانت تلك حيلةً مني! صرخَ الرجلُ وهو ينظرُ إلى بلالٍ رضي الله تعالى عنه بغلظةٍ.
كان بلالُ رضي الله تعالى عنه هو المسؤولُ عن الشؤونِ الماليةِ للنبي ﷺ. يقولُ بلالٌ: منذُ بَعثَ اللهُ النبيَّ ﷺ حتى وفاتِه، كنتُ أتولى نفقاتِه. كان النبيُّ ﷺ يأمرُني بمساعدةِ كلِّ من يأتي إليه مسلماً وهو بحاجةٍ. فكنتُ أشتري الطعامَ والكساءَ لمن لا يملكُهما، وكنتُ أقترضُ المالَ لتأمينِ ذلك كما أمرني النبيُّ ﷺ.
ذات يومٍ، قال لي رجلٌ مشركٌ: لماذا ترهقُ نفسَك بالاقتراضِ من الجميع؟ عندي مالٌ كثيرٌ، اطلبْ مني ما شئتَ وسأقرضُك.
شعرتُ بالراحةِ لأنني لن أحتاجَ لسؤالِ الناسِ. وفعلاً، بدأتُ أقترضُ منه كلما احتجتُ. ومرتِ الأيامُ، وفي أحدِ الأيامِ بينما كنتُ أتأهبُ للأذانِ، جاءني هذا الرجلُ مع جماعةٍ من التجارِ. صرخَ في وجهي: يا حبشيُّ، فأجبته. فنظر إليّ بحقدٍ وقال الكلماتِ المذكورةَ أعلاه.
بعد أن تذوقَ بلالٌ طعمَ الحريةِ، ها هو يُهدَّدُ بالعبوديةِ مرةً أخرى، لقد كان فخاً مدبراً. شعرَ بلالٌ بضيقٍ شديدٍ. وبعد صلاةِ العشاءِ، ذهب إلى بيتِ النبي ﷺ.
يا رسولَ اللهِ، إن المشركَ الذي كنتُ أقترضُ منه قد هدّدني. وأعلمُ أنه ليس عندكَ يا رسول الله مالٌ، ولا عندي شيءٌ. وهو ينوي إهانتي. اسمح لي أن أذهبَ إلى أحياءِ المسلمين، لعلَّ اللهَ يرزقُنا ما نقضي به الدَّينَ.
عزمَ بلالٌ رضي الله تعالى عنه على الرحيلِ فجراً. جهّزَ سيفَه ودرعَه ونعلَه، لكنَّ النومَ لم يزره. كان يستيقظُ كلَّ قليلٍ ليجدَ الليلَ طويلاً. وقبيلَ الصبحِ، جاءه منادٍ يقولُ: يا بلالُ، أجبْ رسولَ اللهِ ﷺ.
ذهبَ بلالٌ رضي الله تعالى عنه إلى النبي ﷺ، فوجدَ أربعةَ جمالٍ محملةً بالبضائعِ، قال النبيُّ ﷺ: أبشرْ يا بلالُ، فقد جاءَ الفرجُ من عندِ اللهِ. فقال بلال: الحمد لله. فقال النبيُّ ﷺ: هذهِ الإبلُ وما عليها لكَ، وهي محملةٌ بالطعامِ والكساءِ أرسلها إليّ حاكمُ فدك. فاذهبْ واقضِ دَيْنَك.
قام بلالٌ بإنزالِ الأحمالِ، ثم ذهب ليؤذنَ للصبحِ، بعد الصلاةِ، وقف بلالٌ ونادى بصوتٍ عالٍ: من كان له دَيْنٌ على النبيِّ ﷺ فليأتِ. وبدأ يبيعُ البضائعَ ويسددُ الديونَ حتى انتهت كُلُّها، وبقيَ معه القليلُ. ذهب إلى المسجدِ فوجد النبيَّ ﷺ جالساً وحدَه. فسأله النبيُّ ﷺ: ماذا فعلتَ؟ قال: لقد قُضيَ الدَّينُ كُلُّه يا رسولَ اللهِ.
سأل النبيُّ ﷺ: هل بقيَ شيءٌ؟
قل: نعم.
قال النبيُّ ﷺ: أنفِقْهُ حتى لا يبقى شيءٌ، فلن أرتاحَ حتى يخرجَ كُلُّه.
بقيَ النبيُّ ﷺ في المسجدِ ولم يذهب لبيتِه بانتظارِ إنفاقِ الباقي. وفي اليومِ التالي، جاء رجلان فقيران، فأعطاهما بلالٌ ما تبقى. وعند العشاءِ سأل النبيُّ ﷺ: ما الخبرُ؟
قال بلالٌ: قد أراحك اللهُ يا رسولَ اللهِ. أي أُنفِقَ المالُ كُلُّه.
حينها كبّرَ النبيُّ ﷺ وحمدَ اللهَ كثيراً. لقد كان يخشى أن يقبضَه اللهُ تعالى وعنده مالٌ لم يُنفقْه. ثم زار زوجاتِه ونام مرتاحَ البالِ. هكذا كانت إدارةُ النبي ﷺ لمالِه وحياتِه.
نحنُ نناقشُ تعاملَ النبيِّ ﷺ مع أصحابِه، ويبرزُ بلالٌ رضي الله تعالى عنه كشخصيةٍ لا يمكنُ نسيانُها. فبلالٌ الذي كان مستضعفاً ومضطهداً وعبداً، رفعهُ النبيُّ ﷺ ليعتليَ الكعبةَ مركزَ المسلمينَ ويؤذنَ منها. إنَّ أولَ كلماتِ الأذانِ هي إعلانٌ لثورةٍ تقتلعُ جذورَ الظلمِ والطبقيةِ؛ فقولُ اللهُ أكبرُ يعني أنَّ كلَّ ما سواهُ صغيرٌ. لقد كان ذلك الإعلانُ بمثابةِ إنهاءٍ لكلِّ المعاييرِ الجاهليةِ التي كانت تُفرقُ بين الناسِ.
قرّبَ النبيُّ ﷺ بلالاً إليه، وجعلهُ أمينا خاصاً لهُ ومسؤولاً عن شؤونِه الماليةِ. وماذا كانت مهمةُ بلالٍ؟ كانت مساعدةَ الفقراءِ، وإن لم يجد مالاً كان يقترضُه. لقد رأينا كيف حاولَ الطغاةُ نشرَ ظلامِهم، وكيف
تحطمتْ غطرستُهم بجمالِ الإسلامِ. إنَّ جوهرَ هذه القصةِ هو قلبُ النبيِّ ﷺ الواسعُ الذي لم يرد شيئاً لنفسِه ولا لأهلِه، بل أرادَ أن ينعمَ الفقراءُ بكلِّ شيءٍ. ورغمَ أنَّ مغانمَ الدنيا جاءت إليه، إلا أنه ﷺ وجّهها لتكونَ نوراً للعملِ الاجتماعيِّ.
وقفَ النبيُّ ﷺ بجانبِ المنكسرةِ قلوبُهم وواساهم. يقولُ عليٌّ رضي الله تعالى عنه: خرجتُ في ليلةٍ شديدةِ البردِ والجوعِ، فقلتُ لعلي أجدُ في بيتِ النبيِّ ﷺ شيئاً، فلم أجد. فذهبتُ أبحثُ، فرأيتُ يهودياً يسقي بستانَه، فنظرتُ إليه من ثقبٍ في الجدارِ.
فقال لي: ماذا تنظرُ؟ هل تسقي لي الماءَ؟ أعطيكَ عن كلِّ دلوٍ تمرةً.
قلتُ: نعم، افتحِ البابَ.
فدخلتُ وسقيتُ له، فكان يعطيني عن كلِّ دلوٍ تمرةً حتى امتلأتْ يدي. فأكلتُ وشربتُ ثم ذهبتُ للمسجدِ.
دخلَ مصعبُ بنُ عميرٍ المسجدَ ولم يكن عليه إلا بردٌ ممزقٌ مرقعٌ بجلدٍ. حين رآه النبيُّ ﷺ بكى بكاءً شديداً، تذكراً لما كان فيه مصعبُ من نعيمٍ وملوكيةٍ قبل الإسلامِ، فهو ابنُ أغنى بيوتِ مكةَ والفتى المدللُ والوسيمُ، لكنه اختارَ طريقَ الحقِّ فطردهُ أهلُه. بكى النبيُّ ﷺ رحمةً به، ثم تنبأَ بمستقبلِ الأمةِ قائلاً:
كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلةٍ، وراح في حلةٍ؟ ووضعت بين يديه صحفةٌ ورفعت أخرى، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبةُ؟
قالوا: يا رسولَ اللهِ، نحنُ يومئذٍ خيرٌ منا اليومَ، نتفرغُ للعبادةِ.
قال: لا، أنتم اليومَ خيرٌ منكم يومئذٍ.
توضحُ هذه الحادثةُ أنَّ النبيَّ ﷺ وأصحابَه لم يدخلوا هذا الدينَ طلباً للدنيا. لقد عاينوا الحقَّ في وجهِ النبيِّ ﷺ وتحملوا التضحياتِ. بكى النبيُّ ﷺ لأوجاعِهم وكان واحداً منهم، شاركهم الجوعَ والبردَ. واليومَ نرى نبوءاتِ النبيِّ قد تحققت كضوءِ النهارِ؛ فصارت الأسواقُ والمطاعمُ والبيوتُ ساحاتٍ للتفاخرِ والإسرافِ والتبذيرِ.
ظنَّ الصحابةُ أنَّ زمنَ الرخاءِ سيكونُ خيراً للتفرغِ للعبادةِ، لكنَّ النبيَّ ﷺ أوضحَ أنَّ حالَهم مع الفقرِ والصبرِ خيرٌ من فتنةِ الغنى. وفي حديثٍ آخرَ أكدَ ذلك بقوله:
فواللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسطَ عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتُلهيكم كما ألهتهم.
هذه الدروسُ لا توضحُ فقط علاقةَ النبيِّ ﷺ بأصحابِه، بل ترسمُ منهجَه في التعاملِ مع المالِ؛ فالمالُ ليس ليدورَ بين الأغنياءِ فقط، بل يجبُ أن يتدفقَ نحو الفقراءِ، وهذا هو المنهجُ العمليُّ الذي رسختهُ الزكاةُ.




