كان النبيُّ ﷺ في شبابهِ وسيمًا شريفا صادقا، حتى لَقَّبَهُ قومُه بـالأمينِ. وكان بإمكانهِ أن يتزوجَ أجملَ الفتياتِ لِما حظيَ به من قبولٍ في الخُلُقِ والجمالِ. ولكن قبل أن يُفكرَ في الزواجِ، جاءه العرضُ من خديجةَ، وهي سيدةُ أعمالٍ مرموقةٍ، طلبت الزواجَ منه بعدما عَرَفَت أمانتَه وعظمةَ أخلاقِه.
من إمكان النبيَ ﷺ أن يرفضَ هذه الخِطبة بكلمةٍ واحدةٍ، لكنّه قَبِلَ الخِطبة من السيدةِ خديجةَ التي كانت أرملةً وتكبرُه بـخمسةَ عشرَ عامًا. ورغم تفشي تعدّدِ الزوجاتِ آنذاك، لم يَتَزَوَّج النبي صلى الله عليه وسلم امرأةً غيرَها حتى وفاتِها، في مدة دامت خمسا وعشرين سنة ، جميع أبناءه من خديجة عدا إبراهيمَ. لقد هيأ اللهُ له هذه السيدةَ الشريفة لتكونَ دعما نفسيًا وماديًا لدعوتهِ صلى الله عليه وسلم.
أحبَّ النبيُّ ﷺ خديجةَ حبًا جمًا، كما أحبته أيضا. وعندما نَزَلَ عليه الوحيُ في سنّ الأربعين، وقفت بجانبه بكلّ ما تستطيع. وحين ساوره القلقُ حول نجاحِ المهمّةِ، طمأنَتْه قائلةً: واللهِ لا يخزيك اللهُ أبدًا، إنك لتصلُ الرحمَ، وتَحْمِلُ الكلَّ، وتَقْرِي الضيفَ، وتكْسِبُ المعدومَ، وتعينُ على نوائبِ الحقِّ.
عندما جهر النبيُّ ﷺ بالدعوةِ، حاصر المشركونَ آلَ النبيِّ ومن معهم من المؤمنين وغيرِهم لأنهم لم يُسَلِّمُوا النبيَّ ﷺ للقتلِ، منعوا عنهم الطعامَ والماءَ والدواءَ لثلاثِ سنواتٍ طويلةٍ! ورغم ذلك، صمدت خديجةُ الغنيةُ مع النبيِّ ﷺ متحملةً كلَّ الصعابِ.
في العام العاشر للبعثةِ، تُوُفِّيَت خديجةُ، وفي العام نفسهِ مات عمّه أبو طالبٍ. كان أحدهما سندَه داخل البيتِ والآخرُ حاميَه خارجه، فصار عام حزن للنبيِّ ﷺ. وحتى بعد وفاتها ظلت حيةًّ في قلبه. فكان يذكرُها، وأحيانا يذبحُ شاة ويقطع لحمُها ليرسلَه إلى صديقاتِ خديجةَ، إكرامًا لها ولأهلِها.
عن عائشة، قالت: استأذنت هَالَة بنت خُوّيلد أختُ خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف استئذان خديجة فارتاح لذلك، فقال: اللهم هالة بنت خويلد!. فغِرتُ فقلتُ: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حَمْرَاء الشِّدْقَيْنِ، هلكتْ في الدهر، فأبدلك الله خيرا منها. فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في هالة صورةً حيّة لخديجة رضي الله عنها.
تقول عائشة أيضا: جاءت عجوزٌ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو عندي فقال لها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : من أنتِ ؟ قالت : أنا جثَّامةُ المُزنيَّةُ فقال : بل أنتِ حسَّانةُ المُزنيَّةُ كيف أنتُم ؟ كيف حالكم ؟ كيف كنتُم بعدنا ؟ قالت بخيرٍ بأبي أنت وأمِّي يا رسولَ اللهِ فلما خرجتُ قلتُ : يا رسولَ اللهِ تُقبِلْ على هذه العجوزِ هذا الإقبالَ فقال : إنها كانت تأتينا زمنَ خديجةَ وإنَّ حسنَ العهدِ من الإيمانِ
لم يَحفظ النبيُّ ﷺ ذكرى صديقاتِ خديجةَ وأقاربِها فحسب، بل ظَلَّ يَحْفَظُ عهدَ تلك الأيامِ التي عاشها معها. وكانت عائشةُ تَشعرُ بالغِيرةِ حين تسمعُ ثناءَه المستمرَّ عليها، فقالت يوماً: ما تذكرُ من عجوزٍ قد هلكت، وقد أبدلك اللهُ خيراً منها؟. فاحمرَّ وجهُ النبيِّ ﷺ غضباً. فقال: ما أبدَلَني اللهُ عزَّ وجلَّ خَيرًا منها، قد آمَنَتْ بي إذ كفَرَ بي الناسُ، وصدَّقَتْني إذ كذَّبَني الناسُ، وواسَتْني بمالِها إذ حرَمَني الناسُ، ورزَقَني اللهُ عزَّ وجلَّ ولَدَها إذ حرَمَني أولادَ النِّساءِ.
إنَّ جوهرَ الحياةِ الزوجيةِ بمعناها العميقِ تَجَلَّى في حياتهِ مع خديجةَ. أما بقيةُ زوجاتِه، فقد تَزَوَّجَهُنّ النبيُّ ﷺبعد سنّ الخمسين، وهي السنُّ التي تخمدُ فيها الشهوةُ عادةً، وكان ذلك لأسبابٍ دينيةٍ واجتماعيةٍ وسياسيةٍ. فكانت زوجتُه الثانيةُ هي سودةُ، وكانت أرملةً مسنّةً ولها أبناءٌ، فكان زواجُه منها رسالةً اجتماعيةً لرعايتِها. وكذلك كان زواجُه من أمِّ سلمةَ وزينبَ بنتِ خزيمةَ يهدفُ إلى حمايةِ الأراملِ. أما زواجُه من حفصةَ الأرملةِ، فقد قَوَّى الروابطَ مع عمرَ بن الخطابِ.
كانت السيدةُ عائشةُ هي البكرَ الوحيدةَ بين زوجاتِه، وكان وجودُ شابةٍ ذكيةٍ في حياتهِ أمراً ضرورياً لتنقلَ الأحكامَ الشرعيةَ بدقةٍ، خاصةً ما يتعلقُ بشؤونِ النساءِ التي قد تُسْتَحْيَا منها. لقد اخْتِيرَتْ بأمرٍ إلهيٍ لهذا الدورِ.
وبالفعل أصبحت منارةً للعلمِ لـ 45 عاماً بعد وفاته ﷺ، حيث نَقَلَتْ 2010 أحاديثَ نبويةٍ، وكان كبارُ الصحابةِ يقصدون عتبةَ دارِها لحلِّ المعضلاتِ الفقهيةِ.
يروي أبو موسى الأشعريُّ أنَّ المهاجرينَ والأنصارَ اختلفوا في مسألةِ الغُسلِ، فقال الأنصارُ: لا يجبُ الغسلُ إلا بإنزالِ المنيِّ، وقال المهاجرون: بل يجبُ بمجردِ الجماعِ. فقال أبو موسى: أنا أشفيكم من هذا، فاستأذنَ على عائشةَ وقال: يا أمّاه، إنّي أريد أن أسألكِ عن شيءٍ وأنا أستحي منكِ. فقالت: لا تستحِ أن تسألني عما كنتَ سائلاً عنه أمَّك التي ولدتك، فإنما أنا أمُّك. فسألها عن الموجبِ للغسلِ، فأجابت بأنَّ النبيَّ ﷺ قال: إذا جلس بين شُعَبِها الأربعِ ثم مسَّ الختانُ الختانَ فقد وَجَبَ الغسلُ. فكان قولُها هو الفصلَ في القضيةِ.
استقبلت عائشةُ زواجَها من النبيِّ ﷺ بشَغَفٍ وفخرٍ، وكان ﷺ يمنحُها الحبَّ والمودةَ. وتتذكرُ بفرحٍ كيف كانا في سفرٍ، فقال النبيُّ ﷺ لأصحابه: تَقَدَّمُوا، ثم قال لها: تعالي أسابقْكِ، فسابقتْه فسبقتْه. وبعد سنواتٍ، حين زاد وزنُها، سابقتْه ثانيةً فسبقَها النبيُّ ﷺ، فضحك وقال: هذه بتلك، أي تعادُلٌ بين السباقينِ.
لِماذا كانت عائشةُ تَغارُ حين يُذكرُ اسمُ خديجةَ؟ لقد كان ذلك لشدةِ حُبِّها للنبيِّ ﷺ، ورغبةً منها في الاستئثارِ بمكانةٍ أكبرَ في قلبهِ. فمنذ أن بَدَأَتْ العيشَ معه في سنّ العاشرة وحتى نهايةِ حياتهِ، كان النبيُّ ﷺ هو قُرَّةَ عينِها وكنزَها الثمينَ. وكذلك كان لجميعِ زوجاتِه. لذا كانت الغيرةُ النسائيةُ تظهرُ أحياناً تعبيراً عن هذا العشقِ العظيمِ.
رغم قلةِ المواردِ وضيقِ العيشِ، بَقِيَتِ الزوجاتُ مُتمسّكاتٍ بالنبيِّ ﷺ حتى حين خَيَّرَهُنَّ بين البقاءِ أو الفراقِ. تحكي عائشةُ عن شدةِ الزهدِ قائلةً: أرسل إلينا أحدُ أقاربِ أبي بكرٍ ساقَ شاةٍ، فكنتُ أُمْسِكُها والنبيُّ ﷺ يُقَطِّعُ اللحمَ. فسألها أحدُ السامعين: أكنتم تفعلون ذلك في الضوءِ أم في الظلامِ؟ فقالت: لو كان عندنا زيتٌ للمصباحِ لَأَكَلْنَاهُ. لقد كانت تمرُّ الشهورُ على بيتِ النبيِّ ﷺ ولا تُوقَدُ فيه نارٌ، وكانوا يكتفون بالأسودينِ: التمرِ والماءِ. ولو أراد النبيُّ ﷺ لَجَمَعَ كُنوزَ الأرضِ، لكنّه أراد أن يُعَلِّمَ أهلَه والأمةَ أسمى دروسِ الزهدِ.
أما زَواجُه من زينبَ بنتِ جحشٍ، فقد جاء لِيُحَطِّمَ خُرافةً جاهليةً تمنعُ الرجلَ من الزواجِ بزوجهِ ابنهِ بالتبني بعد طلاقِها. فزيدٌ كان ابنَ النبيِّ ﷺ بالتبني، ولم تكن حياتُه مع زينبَ مستقرةً، فطلبا الفراقَ مراراً. وعندما جاءَ أمرُ اللهِ، أَذِنَ النبيُّ ﷺ لهما بالفراقِ. ولأنّ العربَ كانوا يَعْتَبِرُونَ الابنَ بالتبني كالابنِ الصُّلبي، كان لا بد من فعلٍ واقعيٍ لاقتلاعِ هذا المعتقدِ من جذورهِ، فكان زواجُ النبيِّ ﷺ من زينبَ بتدبيرٍ إلهيٍ. وزينبُ هي ابنةُ عمةِ النبيِّ ﷺ، وكان يَعْرِفُهَا منذ الصغرِ، فادِّعاءُ بعضِ الرواياتِ الضعيفةِ أنه فُتِنَ بجمالِها فجأةً هو محضُ كذبٍ لا يصحُّ.
أما صفيةُ، فقد خُيِّرَتْ بين العودةِ لأهلِها أو البقاءِ مع النبيِّ ﷺ، فآثرتْ أن يكونَ هو زوجَها. وكانت زيجاتُه من ميمونةَ وجويريةَ ورملةَ بمثابةِ تحركاتٍ سياسيةٍ ودعويةٍ لـتأليفِ القلوبِ وتسهيلِ نشرِ الإسلامِ.
ومن العجيبِ أنَّ الذين يدعون إلى الإباحيّة باسم التراضي بين الطرفين ، هم أنفسُهم مَنْ يُهاجمُونَ هذه الزيجاتِ النبويةَ العطرة التي كانت مدرسةً في العلمِ، وملاذاً للأراملِ، ونموذجاً مثالياً للحياةِ الزوجيةِ التي أَثْرَتِ العالمَ بالحكمةِ والمعرفةِ.




