تخيل أن يقع بين يديك شخصٌ لا يجمعك به دين، ولا صداقة، ولا نسب، ولا بلد، ولا مصلحة شخصية أو عامة. بل هو عدوّك... وعداوة ليست يسيرة ولا خلافًا في الرأي، بل عداوة تستهدفك في صميم دعوتك، في حياتك، في حياة من حولك.
رجل حاول قتلك، وسفك دماء أتباعك، وأعان على ظلمك، وتربّص بك الدوائر مرات، وسلب أموالك مرات، ولا يزال عليها إن استطاع إليك سبيلًا، ولا يترك فرصة للقضاء عليك.
ثم فجأة، يقع هذا العدو الألدّ في قبضة يدك. وحيدًا. لا قوم له ولا حرس. أعزل لا يحمل سلاحًا، ولا قدرة على الهرب أو الدفاع. أسيرٌ بين يديك.
فما أنت فاعل؟
أتطعمه وتكرمه؟
أم تطلقه حرًّا بلا مقابل؟
أم تنتقم؟!
قد تظن أن الرحمة في مثل هذا المقام ضعف وتراجع، أو أنّ العدل يقتضي القصاص. لكن ما حدث في المدينة المنوّرة، في العام السادس للهجرة، كان شيئًا يفوق الحسبان!
في ذلك العام، أرسل النبي محمد ﷺ رسائل إلى ملوك الأرض يدعوهم فيها إلى الإسلام، وكان من بين من أُرسلت إليهم الرسالة ثمامة بن أُثال، ملك اليمامة من بني حنيفة.
ثمامة، حين قرأ الكتاب، لم يردّ بسلام، بل استشاط غيظًا، وامتلأ صدره حقدًا، وقرّر اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم. وقد كاد أن يفعل لولا أن حال أحد أقاربه دون ذلك في اللحظة الأخيرة.
وإن عجز عن قتل الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يعجز عن قتل أتباعه. فقد تربص بهم، وفتك بعددٍ منهم دون رحمة. حينها، قرّر النبي ﷺ القصاص، وأمر بقتله إن ظُفِر به.
لكن ثمامة، دون علمٍ منه بما صدر في حقه، خرج قاصدًا مكة لأداء العمرة، بحسب ما كان شائعًا قبل الإسلام من مناسك وشعائر. وفي طريقه، مرّ بأطراف المدينة، وفي طريقه باغته جماعة من المسلمين تحرس أطراف المدينة، فقبضت عليه، دون أن تعرف من هو. لو علموا حقيقته، لقتلوه في الحال، إذ كان في أعينهم مجرمًا سفّاكًا، قتل من أحبّتهم بغيرحقّ.
اقتيد ثمامة إلى المدينة، وربط في سارية من سواري المسجد، كما كان يُفعل بالأسرى.
وهناك، رآه النبي ﷺ، فعرفه، وقال لأصحابه: أتدرون من هذا؟ إنه ثمامة بن أثال من بني حنيفة. ثم أمرهم قائلًا: أحسنوا إلى أسيركم. بل وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم أهله قائلًا: قدّموا إليه من طعامكم، واحلبوا له من ناقةٍ في الصباح والمساء.
هكذا، في وقتٍ يشتد فيه الحصار، ويقلّ فيه الزاد، يقدّم النبي ﷺ من طعام بيته ولبن ناقته لأسيرٍ هو أشدّ الناس عداوة له. لا منًّا، ولا خوفًا، بل رحمةً خالصة، لا تعرف الضغينة.
وظل ثمامة موثوقًا في المسجد ثلاثة أيام، يرى المسلمين، يستمع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يشاهد أخلاقهم وسلوكهم، دون أن يُكره على كلمة، أو يُساوَم على حريته.
ومن تعاليم الإسلام، القيام بمعاملة طيبة للآسارى ، والمسلمون هم الذين طبقوا هذه التعاليم في ظروفهم الحربية. وهذا ما رأينا عندما أخذ الفلسطينيون عددا من الاسرائيليين أسارى ضمن مكافحتهم لإعادة أراضيهم المحتلة من أيادي الكيان الصهيوني الإسرائيلي. في قلب صراعٍ دامٍ طال أمده، حيث تتقاطع السياسة مع الألم، ويضيع الحق بين دخان الحروب، تظل هناك ومضات نادرة تُعيد للإنسانية وجهها الحقيقي. فبرغم الدماء والمآسي، كانوا إنسانيين... متحضرين... بل رحماء.
لقد كتب بعض الأسرى رسائل شكر للمقاومة الفلسطينية بعد إطلاق سراحهم، يُثنون فيها على معاملتهم، ويعبرون عن امتنانٍ عميق لما وجدوه من رعاية واحترام. ومن بين هذه الرسائل، انتشرت رسالة مؤثرة خطّتها امرأة تُدعى "دانيال"، أُسرتْ مع طفلتها الصغيرة "إيميليا". وعند إطلاق سراحهما، كتبت كلمات ستظل شاهدة على وجهٍ مختلف من وجوه هذه الحرب.
تقول دانيال في رسالتها المؤثرة:
إلى القواد الذين كانوا معنا في الأسابيع الأخيرة،
أود أن أعبّر لكم عن شكري العميق من أعماق قلبي، لما أظهرتموه من إنسانية استثنائية تجاه ابنتي الصغيرة إيميليا. لقد كنتم بمثابة والديها. كانت تملك حرية الدخول إلى غرفكم متى شاءت. لقد كنتم لها أصدقاء حقيقيين. لا، بل أكثر من ذلك، أصدقاء عبّروا عن حبّ صادق ودفء حقيقي.
شكرًا... شكرًا... شكرًا، على كل اللحظات الجميلة التي قضتها برفقتكم. لقد منحتُموها كل ما طلبت، حتى الفواكه والحلويات رغم ندرتها. كانت ابنتي كأنها "ملكة غزة".
رغم ما تمرّون به من أزمّات وخسارات، لم تبخلوا عليها بالمحبة واللطف والرعاية. ألف شكرٍ على إنسانيّتكم في زمنٍ فقد فيه الكثيرون إنسانيّتهم. أتمنّى للجميع الصحة والسلام. شكراً جزيلاً.
دانيال وإيميليا
وليس هذا العطف والحنان لابنة صغيرة فحسب، بل تمتّع به كلّ من أطلقوا أيضا، كما عبّروا عن حياتهم الطيبة ومعاملتهم الحسنة من قبل قواد المقاومة الفلسطينية، حيث عبر الأسارى أن المسؤولين أطعمونا مما يطعمون وعالجوا مرضانا حتى أن بعضهم نظفوا الحمامات التى نستخدمها، على عكس ما لاقى من أسارى العدوّ الإسرائيلي من اضطهاد وتجويع وظلم!
لنعد إلى المدينة؛
وفي كل يوم، كان النبي ﷺ يزورثمامة ويسأله: ما عندك يا ثمامة؟ فيجيبه بكبرياء: إن تقتل، تقتل ذا دم. وإن تُنعم، تُنعم على شاكر. وإن تردّ المال، أعطيتك ما شئت.
وفي اليوم الثالث، أمر النبي ﷺ بإطلاق سراحه. لم يأمر بقتله، رغم جرائمه. لم يشترط عليه الإسلام، رغم كفره.لم يطلب منه شيئًا، فقط... أطلقه حرًّا.
خرج ثمامة، وابتعد عن المدينة قليلًا، ثم اغتسل، وعاد، واقفًا بين يدي النبي ﷺ، وقال:أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. والله، ما كان وجه على الأرض أبغض إليّ من وجهك، فأصبح وجهك أحبّ الوجوه إليّ، وما كان دينٌ أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحبّ الأديان إليّ.
هكذا حلاوة الإيمان، إذا دخلت إلى القلب فيكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.. فالتوحيد لا يقف عند حدود الكتب أو العبارات، بل هو نورٌ إذا دخل إلى القلب، أضاء كل شيء، وبدّد ظلمات الجهل والعداوة.
هذه ليست قصة من كتب التاريخ فحسب. بل هي واقعٌ يتكرّر في زمننا، ويُثبت أن الإسلام ليس دين حربٍ ولا سيفٍ، بل دينُ عقلٍ وقلبٍ وروح.
انظر إلى مثال السياسي الهولندي السابق جورام فان كلافيرن (Joram Van Klaveren)،
كان من أشدّ خصوم الإسلام، بل كان يعتبر الإسلام أبغض الأديان إليه، وكان يستخدم أقسى العبارات ضدّه. ولم يكن ذلك مجرد موقف سياسي، بل قناعة متجذرة، دفعته إلى الشروع في تأليف كتاب ضد الإسلام. ولكن... أثناء بحثه، وبينما كان يقرأ أكثر فأكثر بهدف تفنيد الإسلام، بدأ يكتشف شيئًا آخر. بدأت قناعاته تتهاوى، وأدرك أن مفاهيمه عن الإسلام خاطئة، وشيئًا فشيئًا انفتح قلبه على حقائق لم يكن يراها من قبل.
وفي أكتوبر عام 2018، أعلن إسلامه. ثم ألّف كتابًا بعنوان:
"Apostate: From Christianity to Islam in Times of Secularisation and Terror"
(المرتدّ: من المسيحية إلى الإسلام في زمن العلمنة والإرهاب)، ليُعلن فيه قصته مع البحث والحق واليقين.
ولعل هذا يعيدنا إلى قصة ثمامة بن أثال، الملك العربي الذي كان من أشدّ أعداء النبي ﷺ، فلما أسلم، انقلب قلبه، وعاد صادقًا، نقيًّا، محبًّا.
بل ذهب أبعد من ذلك، فعاد إلى النبي ﷺ بعد إسلامه وقال له: يا نبي الله، أريد أن أسألك عن أمرٍ آخر... لقد قتلتُ من أصحابك، فماذا تأمرني؟ ما هي عقوبتي؟ فقال له النبي ﷺ بكلماتٍ تُكتب بماء الذهب: لا تثريب عليك يا ثمامة، فإن الإسلام يمحو ما قبله.
ثم قال له ثمامة:
كنت قد خرجتُ من دياري قاصدًا العمرة، فقبض عليّ جنودك، فما الذي عليّ الآن؟ فقال له النبي ﷺ: امضِ للعمرة، ولكن... كما علّمنا الله ورسوله. فعلمه النبي أحكام العمرة. فذهب إلى مكة، مسلمًا، طاهر القلب، لا يحمل سيفًا، بل يحمل شهادة، ودعوة! فصار أول من دخل مكة ملبيا : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك ......
حين ارتفعت أصوات التلبية بصوتٍ غير مألوف في أروقة مكة، استشاط زعماء قريش غضبًا. هرعوا إلى أسلحتهم، وثار شبابهم يلوّحون بالرماح والنبال. من هذا الذي يتجرأ أن يُلبّي على غير طريقتهم، في قلب مكة؟!
لكن سرعان ما كُبح الغضب حين قيل لهم: ارفقوا... أتدرون من هذا؟ هذا ثمامة بن أثال، ملك اليمامة. إن مسّه سوء، انقطع عنّا القمح، وجاع أطفالنا.
حينها، أعاد القوم سيوفهم إلى أغمادها، ووقفوا مذهولين. ملكٌ دخل أرضهم، مؤمنًا بمحمد، مجاهرًا بإسلامه، لا يخشى لومهم ولا سيوفهم. اقتربوا منه وقالوا:ما خطبك يا ثمامة؟! أتترك دين آبائك؟! فردّ بثبات الموقن: ما أخطأت، بل أصبت. لقد آمنت بمحمّد، واتبعت الحق.
ثم أضاف كلمة دوّت في آفاق مكة: أما وقد آمنت، فلن يصل إليكم من أرض اليمامة حبة قمح واحدة، حتى تؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم.
ومضى إلى البيت الحرام، يؤدّي العمرة كما علّمه نبي الرحمة ﷺ، ملبّيًا لله، لا للآلهة التي عبدها أهل مكة قرونًا.
عاد ثمامة إلى دياره، وأصدر أمرًا قاطعًا بفرض حصار اقتصادي شامل على مكة. فما عاد تمرٌ ولا قمحٌ ولا شعيرٌ يصل إليهم.
وبدأت مكة، رويدًا رويدًا، تذوق طعم الجوع والضيق. ارتفعت الأسعار، واشتدّت المحن، حتى خاف أهلها الموت جوعًا.
ما العمل؟ لم يكن أمام قريش من خيار، سوى كتابة رسالة... لا إلى ملكٍ ولا إلى تاجر، بل إلى محمد بن عبدالله – الرجل الذي طاردوه، وآذوه، وضيّقوا عليه، ونفوه من وطنه، وأقاموا عليه الحصار تلو الحصار.
كتبوا إليه يقولون:
يا محمد، إنك رجلٌ تأمر بصلة الرحم، ونحن قومك. أما ترضى أن نموت جوعًا؟ لقد قطع عنا ثمامة المؤن والرزق، فهلّا كتبت إليه أن يرفع الحصار؟ إن شئت، فاكتب له.
يا للمفارقة!
هم من علّقوا في عنقه أمعاء ناقة ميتة، وهم من حاصروه في شعَب أبي طالب حتى أكل المسلمون أوراق الشجر، وهم من أخرجوه من مكة بلا مأوى ولا مال... واليوم، يكتبون إليه يسألونه الشفاعة لدى ثمامة.
فماذا فعل النبي ﷺ؟ هل شمّت بهم؟ هل ردّ لهم الصاع صاعين؟ هل قال: ذوقوا ما ذاقه أصحابي في الشعب؟ كلا... بل كتب إلى ثمامة يأمره برفع الحصار عنهم. وهكذا يكون النبي. وهكذا تكون الرحمة. نبيّ يردّ الإساءة بالإحسان، والجفاء بالصلة، والخذلان بالعفو.
أليست هذه الصورة، وهذه الأخلاق، هي ما نحتاجه اليوم، في زمن يُقصف الجائعونو يُحاصر الأطفال، وتُقطع عنهم الكهرباء والماء والغذاء و يُطلق الرصاص على أناسٍ يقفون في طوابير الإغاثة.
هنا كثير من مواقف الرسول المتميزة تجاه اليهود ، دعونا نروي بعضًا منها.




