سألَ النبيُّ ﷺ: أين ثعلبةُ؟
أجابوا: لم نرهُ منذُ أيامٍ يا رسولَ اللهِ.
قالَ النبيُّ ﷺ: يا عمرُ، ويا سلمانُ، انطلِقا وابحثا عنه في الجبالِ بين مكةَ والمدينةِ، فإنه هاربٌ من خوفِ النارِ. انطلقا حتى وجدا راعياً يُدعى ذُفافةُ، فسألاهُ عنه.
قال ذُفافةُ: لعلّكم تبحثون عن الفتى البكّاء ؟ الهاربَ من جهنمَ؟
سألاهُ: لماذا تسمّيهِ بذلك؟
قال: إنه يخرجُ بالليلِ بين هذه الجبالِ واضعاً يدَه على رأسهِ وهو يصيحُ: يا ربُّ اقبضْ روحي ولا تجعلْ عقابي في الآخرةِ.
قالا: نعم، هو الذي نطلبهُ.
عندما خيمَ الليلُ وسادَ السوادُ، سمعا صوتاً يئنُّ: يا ربُّ اقبضْ روحي، ولا تجعلْ عقابي في الآخرةِ.
كان هذا الرجل هو ثعلبة بن عبد الرحمن الأنصاري، التقى به الصحابيانِ، فسألهما بلهفةٍ: هل علمَ النبيُّ ﷺ بذنبي؟
قد يتساءلُ القارئُ عن عظمةِ هذا الذنبِ؛ كان يكثر الجلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فأرسله يوما في حاجة له من أسواق المدينة ، فمرّ ببيت من بيوت الأنصار ، فنظر إلى باب البيت فإذا بباب البيت مفتوحا ، وإذا بستر مرخى على حمّام ، فجاءت الريحُ فحرّكت السِّتر ، فإذا وراء الستر امرأة تغتسل ، فنظر إليها نظرة أو نظرتين ثم أفاق واستعظم الأمرَ ، وخشي من نزول آيات فيه . هكذا هو حالُ المؤمنِ؛ إذا مسَّهُ طائفٌ من الشيطانِ تذكّرَ وأبصرَ. غلبَهُ الحياءُ من اللهِ ومن رسولِه. فقال في نفسه: كيف أواجهُ وجهَ النبيِّ ﷺ بهذه العينِ الخائنةِ؟ فقررَ الهربَ إلى الجبالِ تائباً حتى يدركَه الموتُ.
فلما تأخر عليه ثلاثة أيام أمر بعض الصحابة أن يبحثوا عنه في المدينة فلم يعثروا له على أثر ، فصبر حتى أربعين يوما ، حتى نزلَ الوحيُ على النبيِّ ﷺ يخبره بحالهِ ، فأمرهم أن يبحثوا عنه في الفلوات لقلقه عليه الصلاة والسلام ، فذهبوا يبحثون عنه ، كان لثعلبةَ رجاءٌ واحدٌ: أن يدخلَ على النبيِّ ﷺ وهو يصلي. لأنه كان يهابُ مواجهةَ نظراتِ النبيِّ الشريفةِ.
دخلوا المسجدَ في صلاةِ الفجرِ، وكان النبيُّ ﷺ يقرأُ قوله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً. فغُشيَ على ثعلبةَ من شدةِ التأثرِ. بعد الصلاةِ سألَ النبيُّ ﷺ: أين ثعلبةُ؟
قالوا: ها هو صريعٌ هنا يا رسولَ اللهِ.
نادى النبيُّ ﷺ ثعلبةَ، ففتحَ عينيهِ.
سألهُ النبيُّ ﷺ: لماذا غِبتَ عنّي يا ثعلبةُ؟
قال: ذُنوبي يا رسولَ اللهِ.
فقال لهُ النبيُّ ﷺ: ألا أعلمُكَ كلمةً تمحو الذنوبَ؟ قل: ربّنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقنا عذابَ النارِ.
قال ثعلبةُ: ذنبي أعظمُ يا رسولَ اللهِ.
فقال النبيُّ ﷺ: بل كلامُ اللهِ أعظمُ.
أمرَ النبيُّ ﷺ بإيصالِه لبيتِه. وبعد أيامٍ زارهُ النبيُّ ﷺ ووضعَ رأسَ ثعلبةَ في حجرِه الشريفِ، فأزاحَ ثعلبةُ رأسَه خجلاً، قائلاً: رأسٌ ملطخٌ بالذنوبِ لا يستحقُّ هذا الحِجرَ الطاهرَ.
سأله النبيُّ ﷺ: ماذا تشتهي؟
قال: مغفرةَ ربي.
فأخبره النبيُّ ﷺ أنَّ جبريلَ بشرهُ بمغفرةِ اللهِ لهُ، فما إن سمعها حتى صاحَ صيحةً وفاضت روحُه.
فصلوا عليه الجنازة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يمشي على أطراف قدميه ، فسأله عمر عن ذلك ، فقال : ويحك يا عمر! والله ما أجد لقدميّ موضعا من كثرة ما يزاحمني عليه من الملائكة .
نحنُ نبحثُ في كيفيةِ تعاملِ النبيِّ ﷺ مع أصحابِه، وهنا تبرزُ هذه القصةُ المؤثرةُ. إنها تُعلّمُنا مدى حُبِّ النبيِّ ﷺ لأصحابِه وعنايتِه بهم، وكيف استطاعَ بتعاملِه أن يغرسَ الإيمانَ في أعماقِ قلوبِهم. كما تُذكرُنا هذه القصةُ بعظمةِ التوبةِ وأثرِها في حياةِ المؤمنِ.
تقولُ السيرُ إنَّ النبيَّ ﷺ انتقلَ إلى الرفيقِ الأعلى وقد تركَ خلفَه أكثرَ من مائةِ ألفِ صحابيٍّ. لم يكنْ جمالُ المبادئِ التي جاءَ بها فحسب، بل كانَ سُمُوُّ أخلاقِه وطريقةُ تعاملِه هي التي جذبتِ القلوبَ إليه. ورغمَ كثرةِ أتباعِه، كانَ النبيُّ ﷺ يتفقدُ الغائبَ ويسألُ عن أحوالِ الناسِ دائماً.
يروي أنسٌ رضي الله تعالى عنه أنهُ لما نزلَ قولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ...، انقطعَ ثابتُ بنُ قيسٍ عن مجلسِ النبيِّ ﷺ. وكانَ ثابتٌ جهوريَّ الصوتِ، فخشيَ أن يكونَ قد حبطَ عملُه وهو لا يشعرُ، فاعتزلَ في بيتِه يبكي ويقولُ: أنا من أهلِ النارِ.
سألَ النبيُّ ﷺ سعداً رضي الله تعالى عنه: ما شأنُ ثابتٍ؟ أبهِ مرضٌ؟
أجابَ سعدٌ: هو جَارِي، ولم أعلمْ أنهُ مريضٌ.
ذهبَ سعدٌ إلى ثابتٍ وأخبره بسؤالِ النبيِّ ﷺ عنه.
قالَ ثابتٌ: لقد نزلتِ الآيةُ، وأنا رجلٌ جهوريُّ الصوتِ، فأخشى أن أكونَ من أهلِ النارِ. نقلَ سعدٌ الكلماتِ إلى النبيِّ ﷺ، فقالَ ﷺ: بل هو من أهلِ الجنةِ. فكانت هذه البشرى سكينةً لقلبِ ثابتٍ.
كان النبيُّ ﷺ يتفقدُ حتى أبناءَ أصحابِه. فعندما جاءهُ قرةُ بنُ إياسٍ ومعهُ ابنُه، سألهُ النبيُّ ﷺ: أتُحبُّه؟
أجابَ قرّةُ: أحبَّكَ اللهُ كما أحبُّه.
ثم غابَ قرّةُ فترةً، فلما جاءَ سألَ النبيُّ ﷺ: عن ابنه؟
قال: يا رسولَ اللهِ، لقد ماتَ.
فواسا النبيُّ ﷺ الأبَ المكلومَ قائلاً: أما يسركَ أن لا تأتي باباً من أبوابِ الجنةِ إلا وجدتَه عندَه يسعى يفتحُه لكَ؟ فكانت كلماتُ النبيِّ برداً وسلاماً على قلبِ الأبِ.
حتى في اللحظاتِ الأخيرةِ من الحياةِ، كان النبيُّ ﷺ يدركُ ما في قلوبِ أصحابِه. ففي غزوةِ أحدٍ، وبينما كان الجرحى والشهداءُ يملؤون الساحةَ، جعلَ النبيُّ ﷺ يتفقدُ الوجوهَ، فلم يجد سعدَ بنَ الربيعِ. فأرسلَ زيدَ بنَ ثابتٍ يبحثُ عنه قائلاً: اقرأهُ مني السلامَ، وقُل لهُ: كيفَ تجدُكَ؟
يقولُ زيدٌ: فطفتُ بين القتلى، فوجدتُ سعداً وهو في رَمَقِه الأخيرِ، وبه نحوُ سبعينَ طعنةً وضربةً. فقلتُ لهُ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ يقرؤكَ السلامَ ويقولُ لكَ: كيفَ تجدُكَ؟ فردَّ سعدٌ السلامَ وقالَ: قُل لرسولِ اللهِ: إني أجدُ ريحَ الجنةِ. وقُل لقومي الأنصارِ: لا عذرَ لكم عند اللهِ إن خُلِصَ إلى رسولِ اللهِ وفيكم عينٌ تطرفُ.
إنها لحظةٌ تاريخيةٌ مليئةٌ بالمشاعرِ والدروسِ. فحبُّ سعدٍ للنبيِّ ﷺ وتضحيتُه من أجلِ الدينِ تظهرُ في وصيتِه الأخيرةِ وهو يلفظُ أنفاسَه. لم ينسَ النبيُّ ﷺ أصحابَه قط، وكان يبكي لفراقِهم، فقد فاضتْ عيناهُ ﷺ بالدموعِ حين بلغهُ استشهادُ قادةِ مؤتةَ: زيدٍ وجعفرٍ وعبدِ اللهِ بنِ رواحةَ.
وكذلك بكى ﷺ عند وفاةِ عثمانَ بنِ مظعونٍ، وهو أخوهُ من الرضاعةِ وأولُ من ماتَ بالمدينةِ من المهاجرينَ وكان من البدريينَ الأوائلِ الذين تركوا الخمرَ في الجاهليةِ. لقد سالت دموعُ النبيِّ ﷺ على وجنتيهِ وهو يقبلهُ، لتؤكدَ أنَّ القائدَ العظيمَ كان أباً رحيماً بقلبٍ يفيضُ حباً لأصحابِه.




