كان زواجُ فاطمةَ الابنة الرابعة للنبي ﷺ أطولَ الزيجاتِ بقاءً بعد وفاته. ويُعدُّ بيتُ عليٍّ وفاطمةَ النموذجَ الأسمى للحياة الزوجية. لقد تكفل النبيُّ ﷺ بكل متطلبات الزواج لعليٍّ رضي الله تعالى عنه حين لم يكن يملكُ شيئاً، وقد فُصِّلت قصةُ خطبته ووليمته وانتقالهما إلى بيتهما في السير.
إنَّ الخلافاتِ البسيطةَ هي ملحُ الحياةِ الزوجيةِ العامرة، فهي تقوي المحبةَ وتشدُّ أواصرَ العلاقة. ولم يخلُ بيتُ عليٍّ وفاطمةَ من هذه اللحظات، وفيها لم يتحيز النبيُّ ﷺ لطرف، ولم يكثر التنقيبَ في الأسباب، بل كان يسعى للإصلاح.
ذات يوم، زار النبيُّ ﷺ بيتَ فاطمةَ فلم يجد علياً.
سأل النبيُّ: أين عليٌّ؟
قالت فاطمةُ: كان بيني وبينه شيءٌ، فغاضبني فخرج، فلم يَقِلْ أي يسترح عندي.
أرسل النبيُّ ﷺ من يبحثُ عنه، فعلم أنه نائمٌ في المسجد. ذهب إليه النبيُّ ﷺ فوجده مضطجعاً، وقد سقط رداؤه عن شقه وأصابه الترابُ.
جلس النبيُّ ﷺ بجانبه، وجعل يمسحُ الترابَ عنه ويقول: قم أبا ترابٍ! قم أبا ترابٍ! ومنذ ذلك الحين صار هذا اللقبُ الأحبَّ إلى قلب عليٍّ.
لم يسأل النبيُّ فاطمةَ عن تفاصيل المشكلة، ولم يعاتب علياً، بل واسى صهرَه وأدخل السرورَ على قلبه وحلَّ الأزمةَ بلطف. هكذا ينبغي أن يكونَ الحموُ أي أبو الزوجة.
نتعلم من هذا الموقف أن خروجَ الزوجِ من البيت لفترة قصيرة عند الغضب، وبقاءَ الزوجةِ في بيتها دون اللجوء لبيت أهلها، أمرٌ محمود. فخروج الزوج يمنع تصاعد الشجار، وبقاء الزوجة يمنع تفاقم المشكلة. ورغم أن بيتَ فاطمةَ كان ملاصقاً لبيت النبي ﷺ، إلا أنها لم تذهب لتشتكي لوالدها.
يروي عليٌّ رضي الله عنه حرصَ النبي ﷺ على صلاتهما: كان النبيُّ ﷺ يطرقُ بابنا ليلاً ويسأل: ألا تصليان؟
فقلتُ يوماً: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد اللهِ، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا.
فانصرف النبيُّ ﷺ وهو يضربُ فخذَه ويقول مقتبساً من سورة الكهف: وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا.
وفي موقف آخر، أهدى النبيُّ ﷺ علياً ثوباً من حرير. فلما لبسه عليٌّ، أوضح له النبيُّ ﷺ أن الحريرَ محرمٌ على الرجال، وقال: اجعلْه خُمُراً للفواطم أي غطاء للرأس. وكان في أهله ثلاثُ فواطم: زوجته فاطمة، وأمه فاطمة بنت أسد، وفاطمة بنت حمزة ابنة عمه.




