فهمَ النبيُّ ﷺ مهاراتِ أفرادِ عائلتِه، وعهدَ إليهم بالمهامِّ التي تُنمي تلك المواهبَ. فعلى سبيل المثال، عيَّنَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ ابنَ عمّه وصهرَه قائدًا عسكريًّا في غزوة خيبرَ. وقد صنعَ عليٌّ المعجزاتِ، فمن أجلِ صدِّ ضربةِ مُرَحِّب شجاعِ خيبر، اقتلعَ بابَ الحصنِ وتترَّسَ به. ولم يعدْ عليٌّ إلى المدينةِ إلا بعد أن فُتحتْ خيبرُ.
وعندما حاصرَ الأعداءُ بيتَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهم مدجّجونَ بالسلاحِ، خرجَ النبيُّ بأمرٍ إلهيٍّ بعد أن رمى حفنةً من ترابٍ وهاجرَ إلى المدينةِ. ولعلَّ وضْعَهُ لعليٍّ في فراشِه تلك الليلةَ كان نابعًا من معرفتِه العميقةِ بشجاعةِ عليٍّ. وفي حجة الوداع، جلبَ النبيُّ مئةَ بدنةٍ للهدي، فنحرَ منها ثلاثًا وستينَ بيده، ثم كلفَ عليًّا بنحرِ السبعِ والثلاثينَ الباقيةِ وتوزيعِ لحمِها، فكان ذلك كله تقديرًا لاستحقاقِه.
وعيَّنَ النبيُّ جعفرًا أخا عليٍّ قائدًا للمهاجرين إلى الحبشةِ. هناك، سلَّمَ جعفرٌ رسالةً إلى النجاشيِّ. وحين حاولَ الأعداءُ إثارةَ الفتنةِ، ألقى جعفرٌ خطبةً بليغةً عرَّفَ فيها بالإسلامِ قائلًا:
أيها الملكُ، إنا لم نبتدعْ دينًا من تلقاء أنفسِنا، بل جاءنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بدينِ الحقِّ والهدى من عند الخالقِ. لقد أخرجَنا من الظلماتِ إلى النورِ. كنا في جاهليةٍ، نقطعُ الأرحامَ، ونأكلُ الميتةَ، ونأتي الفواحشَ، ونسيءُ الجوارَ، ويأكلُ القويُّ منا الضعيفَ. فبعثَ اللهُ إلينا رسولًا منا، نعرفُ نسبَه وصدقَه وأمانتَه وعفافَه. فدعانا إلى اللهِ لنوحدَه ونعبدَه، وأمرنا بصدقِ الحديثِ، وأداءِ الأمانةِ، وصلةِ الرحمِ، وحسنِ الجوارِ، والكفِّ عن المحارمِ والدماءِ. ونهانا عن الفواحشِ، وقولِ الزورِ، وأكلِ مالِ اليتيمِ. فصدَّقناه وآمنا به، واتبعنا ما جاء به، فعبدنا اللهَ وحدَه، وحرَّمنا ما حُرِّمَ علينا، وأحللنا ما أُحِلَّ لنا. فعدا علينا قومُنا، فعذبونا وفتنونا عن دينِنا ليردونا إلى عبادةِ الأوثانِ. فلما قهرونا وظلمونا وحالوا بيننا وبين دينِنا، خرجنا إلى بلادِك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارِك، ورجونا أن لا نُظلمَ عندك.
هزَّت الخطبةُ كيانَ الملكِ، وسألَ عن تفاصيلَ أخرى، فأجابَه جعفرٌ بتلاوةِ آياتٍ من القرآنِ الكريمِ، مما أدهشَ الملكَ. وعندما عادَ جعفرٌ من الحبشةِ، فرحَ النبيُّ ﷺ فرحًا شديدًا، وكان ذلك يوافقُ فتحَ خيبرَ. فقامَ النبيُّ لاستقبالِه وقبَّلَه بين عينيه قائلًا: ما أدري بأيهما أنا أسرُّ: بفتحِ خيبرَ أم بقدومِ جعفرٍ؟.
وفي غزوة مؤتة، اختارَ النبيُّ جعفرًا ليكونَ حاملَ الرايةِ بعد زيدٍ ابنِه بالتبني. وقد تنبأَ النبيُّ باستشهادِه. يروي ابنُه عبدُ اللهِ حديثًا يقولُ: أمَّرَ رسولُ اللهِ ﷺ في غزوة مؤتة زيدَ بنَ حارثةَ، وقال: إن أُصيبَ زيدٌ فجعفرٌ، وإن أُصيبَ جعفرٌ فعبدُ اللهِ بنُ رواحةَ. فاستشهدَ زيدٌ، ثم جعفرٌ، ثم ابنُ رواحةَ. ثم تولى القيادةَ خالدُ بنُ الوليدِ سيفُ اللهِ وتحققَ النصرُ. وقد أخبرَ النبيُّ أصحابَه بكلّ هذه الأحداثِ رسميًّا وبوحيٍ من الله تعالى.
دخل النبيُّ ﷺ بيتَ جعفرٍ، فضمَّ أطفالَه إليه وقبَّلَهم، وكانت عيناهُ تفيضانِ من الدمعِ. فلما رأتْ زوجتهُ أسماءُ ذلك، سألتِ النبيَّ ﷺ: هل من أخبارٍ عن جعفرٍ؟ فأجابها: نعم، لقد استُشْهِدَ جعفرُ. فما إن سمعتِ الخبرَ حتى انخرطتْ في بكاءٍ شديدٍ، وغمرَ الحزنُ أرجاءَ البيتِ. فأمر النبيُّ ﷺ أصحابَه أن يصنعوا لأهلِ جعفرٍ طعاماً، ثم عاد إليهم بكلماتِ المواساةِ. قال النبيُّ ﷺ: لا تبكوا بعد اليومِ، ائتوا إليَّ بأبناءِ أخي. وصفُه بالأخِ هنا ليس لقرابةِ الدمِ فحسب، بل لأنهما أخوانِ من الرضاعةِ، فقد أرضعتْهما ثويبةُ الأسلميةُ.
فجاء أبناؤه الثلاثةُ: عبدُ اللهِ ومحمدٌ وعونٌ. ولما رأى النبيُّ ﷺ شعرَهم أشعثَ، دعا الحلاقَ فحلَقَ رؤوسَهم. ثم دعا للنبيُّ ﷺ لهذه الأسرةِ ثلاثاً، وخصَّ عبدَ اللهِ بدعوةٍ أن يبارك اللهُ في تجارتهِ. استجابَ اللهُ دعاءَ النبيِّ ﷺ، فصار عبدُ اللهِ تاجراً يُضرَبُ به المثلُ في البركةِ والنجاحِ. وعندما شكتْ أمُّهم يُتْمَهم، قال النبيُّ ﷺ: أتخافين عليهم العيلةَ وأنا وليُّهم في الدنيا والآخرةِ؟ فأيُّ تعزيةٍ أسمى من هذه؟ لم يكن ذلك مجردَ وعدٍ، بل كفلَ النبيُّ ﷺ هؤلاء الأطفالَ، ورعاهم وقام بنفقاتهم كأبٍ حانٍ.
يروي عبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ موقفه مع النبيِّ ﷺ قائلًا: مرَّ النبيُّ ﷺ وهو على دابةٍ، وكنتُ ألعبُ مع قُثَمَ بنِ العباسِ، فأركبَني أمامَه وأركبَ قُثَمَ خلفَه، ثم مسحَ على رأسي ثلاثاً ودعا قائلاً: اللهم اخلفْ جعفراً في أهلهِ. إن الدعاءَ للأقاربِ هو تجسيدٌ حقيقيٌّ لصلةِ الرحمِ.
ذات يومٍ، قال النبيُّ ﷺ للعباسِ رضي الله عنه: ائتِني صباحَ الاثنينِ ومعك أبناؤُك، لأدعو لك ولهم بدعاءٍ ينفعكم اللهُ به. فلما جاؤوا، دعا لهم قائلاً: اللهم اغفرْ للعباسِ ذنبَه، ظاهرَه وباطنَه، مغفرةً لا تغادرُ ذنباً، اللهم احفظْه في ولدهِ.
كان ابنُ عباسٍ يمتازُ بالفطنةِ والتواضعِ، وكان النبيُّ ﷺ يحبُّه كثيراً. يقول ابنُ عباسٍ: أعددتُ للنبيِّ ﷺ وضوءَه، فلما علمَ بذلك قال: اللهم فقِّهْهُ في الدينِ. وفي مرةٍ أخرى، ضمه النبيُّ ﷺ إلى صدره وقال: اللهم علِّمْهُ الكتاب. وبفضلِ هذا الدعاء، صار ابنُ عباسٍ يُعرف بلقب رئيس المفسرين. حتى كبارُ الصحابةِ مثل عمرَ رضي الله تعالى عنه، كانوا يوقرون ابنَ عباسٍ رغم صغرِ سنهِ ويستشيرونه في غوامضِ الأمورِ. واليوم، لا يكاد يخلو كتابُ تفسيرٍ من ذكرهِ، وهذا كله ببركةِ دعاء المصطفى ﷺ. وعندما طلب العباسُ دعاءً، علمه النبيُّ ﷺ أن يسألَ اللهَ العافيةَ، وهي كلمةٌ قصيرةٌ لكنها تشملُ كل خيرِ الدنيا والآخرةِ.
عندما تُوفي أبو طالبٍ، قال النبيُّ ﷺ لعليٍّ: اذهبْ فوارِهِ ادفنه، ولا تُحدثْ شيئاً حتى تأتيني. فلما فرغ عليٌّ من دفنهِ، جاء إلى النبيِّ ﷺ، فأمره أن يغتسلَ، ثم دعا له النبيُّ ﷺ دعواتٍ يقول عنها عليٌّ: لهي أحبُّ إليَّ من حُمر النعمِ وكلِ متاعِ الدنيا.
كان النبيُّ ﷺ يتفقدُ أحوالَ أقاربهِ في أمور الدين، ويقدمُ لهم النصيحةَ. فقد سأل ضباعةَ بنتَ الزبيرِ ابنة عمه:ألا تريدين الحجَّ؟ كان سؤالُه حافزاً لها، لكنها كانت امرأةً يُصيبُها المرضُ كثيراً، فخشيتْ أن يمنعها المرضُ من إتمام المناسكِ بعد الإحرامِ، وما يترتب على ذلك من فديةٍ وكلفةٍ. فقالت: يا رسولَ اللهِ، إني امرأةٌ وجِعَةٌ. فأجابها النبيُّ ﷺ: حجي واشترطي، وقولي: اللهم مَحِلِّي حيث حبستَني.
وهذا التوجيهُ النبويُّ صار مخرجاً فقهياً عظيماً لكل حاجٍّ أو معتمرٍ يخشى العجزَ عن إكمالِ النسكِ، فبواسطةِ هذا الاشتراطِ يتحللُ المحرمُ من إحرامهِ دون حرجٍ إذا حبسهُ العذرُ.
سأل النبيُّ ﷺ أسماءَ بنتَ عميسٍ ذات مرةٍ: ما لي أرى أجسامَ بني أخي ضارعةً نحيفةً؟ أصابتْهم حاجةٌ؟ قالت: لا، ولكن تسرعُ إليهم العينُ. فقال النبيُّ ﷺ: ارْقِيهم. هنا نلمسُ اهتمامَ النبيِّ ﷺ بالصحةِ العامةِ لأهلهِ، وإقرارهُ للرقيةِ الشرعيةِ وسيلةً للشفاءِ.
زار النبيُّ ﷺ يوماً أمَّ المنذرِ، وكان معه عليُّ بنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه، وكان عليٌّ قد نقهَ من مرضٍ أي بدأ يشفى لكنه لا يزال ضعيفاً. وفي البيتِ قطوفٌ من تمرٍ، فبدأ النبيُّ ﷺ يأكلُ منها، وقام عليٌّ ليأكلَ معه، فنهاهُ النبيُّ ﷺ قائلاً: مَهْ يا عليُّ، فإنك ناقهٌ أي لا يزالُ جسمُك ضعيفاً. ثم قُدِّمَ لهما طبقٌ من شعيرٍ وسلقٍ، فقال النبيُّ ﷺ لعليٍّ: من هذا فأصِبْ، فإنه أوفقُ لك.
كان النبيُّ ﷺ يستشيرُ أقاربَه ويُقدّرُ آراءَهم. وفي يومِ فتحِ مكةَ، جاءه العباسُ بأبي سفيانَ الذي أعلنَ إسلامَه، فقال العباسُ للنبيِّ ﷺ في خلوةٍ: يا رسولَ اللهِ، إن أبا سفيانَ رجلٌ يحبُّ الفخرَ، فاجعلْ له شيئاً. فاستجابَ النبيُّ ﷺ لهذا المقترحِ الذكيِّ وأمرَ منادياً ينادي: من دخلَ دارَ أبي سفيانَ فهو آمنٌ، ومن أغلقَ عليه بابَه فهو آمنٌ، ومن دخلَ المسجدَ الحرامَ فهو آمنٌ. فأدخلتْ هذه الكلماتُ السرورَ على قلبِ أبي سفيانَ، وكانت بمثابةِ إعلانٍ حكيمٍ لأهلِ مكةَ.
تدخّلَ النبيُّ ﷺ لتصحيحِ عباداتِ أقاربهِ بكل رفقٍ. يُحكى أن ابنَ عباسٍ قام يصلي خلفَ النبيِّ ﷺ في صلاةِ الليلِ، فوقفَ عن يسارهِ، فأخذ النبيُّ ﷺ بأذنهِ بلطفٍ وأدارهُ حتى أقامهُ عن يمينهِ. هكذا علّمهُ السنةَ النبويةَ في الوقوفِ خلفَ الإمامِ بالتطبيقِ العمليِّ الهادئِ.
كان الفضلُ بنُ عباسٍ رديفَ النبيِّ ﷺ في إحدى الرحلاتِ، فجاءت امرأةٌ من خثعمَ تسألُ النبيَّ ﷺ، فجعل الفضلُ ينظرُ إليها وتنظرُ إليه، فما كان من النبيِّ ﷺ إلا أن أخذ بفضلِ الفضلِ ولوى وجهَهُ إلى الشقِّ الآخرِ ليعلّمَه غضَّ البصرِ. ثم سألتِ المرأةُ: إن أبي شيخٌ كبيرٌ، أدركتْهُ فريضةُ اللهِ في الحجِّ ولا يستطيعُ الثباتَ على الراحلةِ، أفأحجُّ عنه؟ فأجابها النبيُّ ﷺ: نعم.
وفي خطبةِ الوداعِ العظيمةِ، أعلن النبيُّ ﷺ نهايةَ أعرافِ الجاهليةِ ودفنَها تحت قدميهِ، فأبطلَ ثاراتِ الدمِ والربا. وقال بوضوحٍ: وإن أولَ دمٍ أضعُ من دمائنا دمُ ابنِ ربيعةَ بنِ الحارثِ. وكان هذا الطفلُ قد قُتِلَ إثر سقوطِ حجرٍ عليه أثناء نزاعٍ بين قبيلتي بني سعدٍ وبني ليثٍ وهو لا يزالُ صغيراً يحبو.لقد أراد النبيُّ ﷺ إعلانَ العفوِ التامِّ وعدمِ المطالبةِ بهذا الثأرِ بعد اليومِ.
وكذلك فعلَ النبيُّ ﷺ في أمورِ المالِ، فقال: وربا الجاهليةِ موضوعٌ، وأولُ ربا أضعُ ربا عباسِ بنِ عبدِ المطلبِ، فإنه موضوعٌ كلُّه. بهذا المبدأِ، علّمنا النبيُّ ﷺ أن الإصلاحَ الأخلاقيَّ والاجتماعيَّ يجبُ أن يبدأَ بالذاتِ وبالدائرةِ القريبةِ من الأهلِ أولاً، ليكونَ القدوةَ العمليةَ للناسِ أجمعينَ.




