عندما واجهناهم، كان الأمر أشبه بأنّنا خفضنا رقابَنا لهم ليذبحونا كيفما شاؤوا.
هذا الرد الساخر جاء على لسان أبي سفيان بن الحارث، مجيباً أبا لهبٍ الذي كان يستفسر منه بلهفة عن تفاصيل الهزيمة النكراء في غزوة بدر.
كان أبو لهبٍ سيداً من سادات قريش وكبيراً من كبراء مكة. ولكن، لماذا يسأل عن أحداث الحرب؟ ألم يشارك فيها؟ الجواب: لا. ولمعرفه السبب، دعونا نعد بالذاكرة إلى جبل الصفا.
هل تتذكرون تلك اللحظة التي جمع فيها النبيُّ ﷺ أقاربَه وأهله ليبلغهم الرسالة؟ لا إله إلا الله.. أنا رسولٌ بعثه اللهُ إليكم. فمن آمن فله الجنةُ، ومن كفر فله النارُ. فأنقذوا أنفسَكم من عذاب الله. كان هذا هو جوهر ذلك الخطاب القصير والعميق. أخذ النبيُّ ﷺ ينادي كلَّ زعيمِ قبيلةٍ باسمه، طالباً منهم أن يحموا أنفسَهم من نار جهنم.
حينها، لم يتمالك عمُّه أبو لهبٍ نفسه، فرفع إصبعَه في وجه النبي ﷺ قائلاً بغلظة: تباً لك، ألهذا جمعتنا؟
في تلك اللحظة، نزل الوحيُ بسورة المسد، وهي السورة رقم 111 في القرآن الكريم. (تبت يدا أبي لهبٍ وتب، ما أغنى عنه مالُه وما كسب، سيصلى ناراً ذات لهب، وامرأتُه حمالةَ الحطب، في جيدها حبلٌ من مسد).
بعد نزول هذه السورة، تسلل الخوفُ إلى قلب أبي لهبٍ. ففكر في نفسه: لقد رماني محمدٌ بكلماتٍ قاسية، وهذا سيدمر مستقبلي. عليَّ أن أحذر، فإذا خرجتُ للحرب فمن المؤكد أن نهايتي ستكون هناك. الاختباءُ هو الحلُّ الأمثل.
ورغم محاولات أبي جهلٍ المتكررة لإقناعه، رفض أبو لهبٍ الخروجَ للقتال. وبدلاً من ذلك، أُرْسِلَ عاصمُ بن هشامٍ مكانه. لقد كان يرتعد خوفاً من أن تتحقق فيه نبوءةُ القرآن.
كان أبو لهبٍ يستجوب جندياً نَجَا من معمعة الحرب وفرَّ عائداً إلى مكة. كان اسمه المغيرة، ويُكنى بأبي سفيان أي ابن الحارث، وهو ابن عم النبي ﷺ، وقد أسلم لاحقاً يوم فتح مكة، لكنه حينها كان في صفوف المشركين.
قال أبو سفيان: لقد كانوا يقتلوننا ويأسروننا كما يحلو لهم. ثم أضاف: ولا لومَ عليهم في ذلك، فقد رُئِيَتْ خيولٌ بلقاءُ لا تشبه خيول الأرض، يمتطيها رجالٌ بيضُ الوجوه لا يُقهرون. ربما كان ذلك هو سر قوتهم.
كان أبو رافعٍ، غلامُ العباس عم النبي، يستمع إلى هذا الحديث، وكانت معه أمُّ الفضل زوجةُ العباس. ومن شدة تأثره وفرحه، قيلَ على لسانه دون شعور: واللهِ، تلك هي الملائكةُ. فاستشاط أبو لهبٍ غضباً ولطم أبا رافعٍ على وجهه حتى سَقَطَ الغلامُ أرضاً. لم تتحمل أمُّ الفضل هذا المشهد، فتناولت عوداً غليظاً أو وتداً. وضَرَبَتْ بها رأسَ أبي لهبٍ صائحةً: أستضعفتَه لأن سيده غائبٌ؟
كانت تلك الضربةُ قاضيةً، فقد تسببت في جرحٍ عميقٍ في رأسه بدأ يتعفن. ثم انتشرت القروحُ في جسده كله، أُصِيبَ بمرضٍ غريب ومنفر، فتركه أهله وهجروه. انزوى في كوخٍ وحيداً، تفوح منه رائحةٌ كريهة، ولم يقترب منه أحدٌ حتى مات وهو يُؤْكَلُ من الدود. حتى جثته بقيت أياماً لم يقربها أحدٌ بسبب الرائحة النتنة، حتى شكى الناسُ لأبنائه. فقال أبناؤه: نخشى أن تنتقل إلينا العدوى. وفي النهاية، وبدلاً من غسله، رُشَّ الماءُ عليه من بعيد، ثم دُفِعَ بخشبة طويلة إلى حفرة، ورُمِيَ بالحجارة من بعيد حتى وُوريَ الترابُ. أيّ ذنبٍ عظيمٍ اقترفه أبو لهبٍ ليكون ختامُ حياته بهذه المهانة واللعنة؟
عداءٌ مستحكم ونهايةٌ مخزية
لم تقتصر مضايقاتُ أبي لهبٍ للنبي ﷺ في بداية الدعوة على كونه صوتاً للكراهية فحسب، بل تغلغل حقدُه في قلبه كالسرطان. لقد حارب الرسالةَ بكل ما أوتي من قوة، ووقف حجرَ عثرةٍ في طريق الهداية. وصل به الأمر إلى إجبار ابنيه على تطليق ابنتي النبي ﷺ نكايةً به. وعندما كان النبيُّ ﷺ يلقي خطاباتِه في الأسواق، كان أبو لهبٍ يتبعه ليردَّ عليه، وأحياناً يَرْشُقُ النبيَّ ﷺ بالحجارةِ حتى تدمى قدماه الشريفتان. فعل هذا الرجلُ كلَّ تلك الدناءات وهو عمه الذي كان يُفترض أن يحميه.
ولم تكن زوجتُه أقلَّ منه شراً، بل كانت شنّاً وافق طبقَه. لقد نَثَرَتْ الشوكَ في طريق النبي ﷺ لإيذائه. وذات مرة، بينما كان النبيُّ ﷺ جالساً مع أبي بكرٍ عند الكعبة، أقبلت تحمل حجراً كبيراً لترجمَه به وهي تصرخ بالشتائم، ولكنَّ اللهَ أَعْمَى بصرَها فلم تَرَه، وكأنَّ حجاباً قد وُضِعَ بينها وبينه.
نزل القرآنُ الكريمُ ليكون إنذاراً لهذه النفوسِ التي وقفت عائقاً أمام الخير: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ، سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ، وَامْرَأَتُهُ حَمَّالةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ. هذه السورة هي معجزةٌ قرآنية كشفت الغطاء عن مستقبل هؤلاء، وحملت تنبؤاتٍ دقيقةً تَحَقَّقَتْ حرفياً.
تنبأ القرآنُ بأن أبا لهبٍ سَيَهْلِكُ ، وأن أموالَه وأولادَه لن ينفعوه، وأنه سيحترق في النار هو وزوجته. وبالفعل، هلك أبو لهبٍ ميتةً مخزية لم تكن طبيعية، لتكون عبرةً لكل طاغية. حتى استخدام كنيته أبو لهب لم يكن للتشريف، بل للإشارة إلى مآله في نار جهنم، وليبقى هذا اللقبُ رمزاً لكل من يحاول إحراق القيم الروحية والجمالية.
إن النبوءة بأنَّ الرجلَ وزوجتَه سيموتان كافرين ويدخلان النار هي قمة الإعجاز. ففي الوقت الذي كان فيه النبيُّ ﷺ يدعو الناسَ قائلاً: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، كان بإمكان أبي لهب ولو من باب المكر لإثبات كذب القرآن أن يقول أمام الناس: يا أيها الناسُ، محمدٌ يدعي أنني من أهل النار، ويقول إن من شهد بالتوحيد دخل الجنة. ها أنا أعلنُ أمامكم لا إله إلا الله، فكيف أكون في النار؟. لكنَّ أبا لهبٍ لم يمتلك القدرةَ على قول هذه الكلمة البسيطة، رغم أنها كانت أسهل طريقةٍ لمحاربة النبي ﷺ وتكذيب الوحي. لقد حُرم من التوفيق، لأنَّ اللهَ الذي يَعْلَمُ الغيبَ قد قَضَى في كتابِهِ أنه من أصحاب الجحيم.




