هل كان للنبي ﷺ أمٌّ ثانيةٌ؟ نعم، وهي تلك المرأةُ الوحيدةُ التي كانت معه حين تُوفيتْ أمُّـهُ في الأبواء. كانت أمةً ورثَـهَا عن أبيه عبد الله، وهي حبشيةٌ تُدعى بَرَكة. عُرِفتْ لاحقاً باسم أم أيمن، وقد احتضنتِ النبيَّ ﷺ ورعتْـهُ كابنِـهَا. وُلِدَ النبيُّ ﷺ وهي حيـةٌ، وفارقَ الدنيا وهي حيـةٌ، أي أنها كانت شاهدةً على مسيرةِ حياتِـهِ كاملةً منذ الطفولةِ.
كبُرَ النبيُّ ﷺ وتزوجَ بالسيدةِ خديجةَ في الخامسةِ والعشرين من عمرِهِ، فحينئذٍ أَعْتَقَ بركةَ. ورغم ذلك، ظلَّ النبيُّ ﷺ يجلُّـهَا كأمٍّ قبل العتقِ وبعدَهُ، في زمنٍ كان العبيدُ يُعاملون فيه كمجردِ سلعٍ تجاريةٍ.
كان يناديـهَا بأمي، ويقولُ عنها: هذهِ أُمُّـي بَعْدَ أُمِّـي. آمنتْ بركةُ بالدعوةِ فورَ إعلانِ النبوةِ، وزوَّجَـهَا النبيُّ ﷺ من عبيد بن الحارث الخزرجي، فأنجبتْ طفلاً يُدعى أيمن، وبذلك كُنِّيَتْ بـأم أيمن.
وعندما استُشهدَ زوجُـهَا، قال النبي ﷺ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَلْيَتَزَوَّجْ أُمَّ أَيْمَنَ. فتزوجَـهَا زيدُ بنُ حارثةَ الذي كان مولىً للنبي ﷺ وأعتقَـهُ أيضاً. وأنجبتْ منهُ أسامةَ، وكان أسامةُ أسودَ البشرةِ، أفطسَ الأنفِ، لكنَّ النبيَّ ﷺ كان يُدَلِّلُــهُ تماماً كما يُدَلِّلُ حفيدَيْـهِ الحسنَ والحسينَ.
لقد صرّحَ النبيُّ ﷺ بحبِّـهِ لأسامةَ مراراً، تقديراً لمكانةِ والدَيْـهِ عندَهُ. وبالرغم من وجودِ كبارِ الصحابةِ مثلِ أبي بكرٍ وعمرَ، إلا أن النبيَّ ﷺ اخْتَارَ أسامةَ ليكونَ قائدَ الجيشِ وهو لم يتجاوزِ العشرين من عمرِهِ. أما أمُّ أيمنَ، فقد شاركتْ في غزوةِ أحدٍ تداوي الجرحى وتسقي العطشى. وعندما تراجعَ البعضُ في المعركةِ، صاحتْ فيهم شجاعةً: هاتوا السيفَ واذهبوا للمغازل، ورمتِ الترابَ في وجوهِـمْ، بل ودافعتْ عن النبي ﷺ بسيفِـهَا أمامَ الأعداء.
وفي المعركةِ، رماها المشركُ حبان بن العرقة بسهمٍ فسقطتْ، وضحكَ المشركُ لاستهدافِـهَا، فتألمَ النبيُّ ﷺ لذلك. فأعطى النبيُّ ﷺ سعدَ بنَ أبي وقاصٍ سهماً لا نصلَ لهُ وأمرَهُ أن يرميَـهُ، فأصابَ السهمُ نحرَ المشركِ فسقطَ قتيلاً، فتبسمَ النبيُّ ﷺ ردّاً على شماتةِ العدوِّ.
كانت أمُّ أيمنَ تجدُ صعوبةً في نطقِ بعضِ الحروفِ، فكانت تقولُ في السلام: السلام لا ليكم، فرخّصَ لها النبيُّ ﷺ أن تكتفيَ بقولِ السلام. كان النبيُّ ﷺ يزورُهَا في بيتِـهَا تقديراً لهَا، وأحياناً يصحبُ معـهُ أبا بكرٍ وعمرَ. لقد منحَـهَا النبيُّ ﷺ مكانةَ الأمومةِ وحقَّ الدلالِ عليهِ، وهي بدورِها كانت تعاملُـهُ بتلك المودةِ والحزمِ الوالديِّ الأصيلِ.
يقول أنس بن مالك رضي الله عنه : لَمَّا فَرَغَ رَسولُ اللهِ ﷺ مِن قِتَالِ أَهْلِ خَيْبَرَ، وَانْصَرَفَ إِلَى المَدِينَةِ، رَدَّ المُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ الَّتي كَانُوا مَنَحُوهُمْ مِن ثِمَارِهِمْ. (المنائح: كان الأنصار قد منحوا المهاجرين بعض نخلهم ليقتاتوا من ثمره عند الهجرة.) قَالَ: فَأَتَى أَهْلِي فَأَمَرُونِي أَنْ آتِيَ رَسولَ اللهِ ﷺ، فأسْأَلَهُ ما كانَ أَهْلُهُ أَعْطَوْهُ مِنَ النَّخْلِ، أَوْ بَعْضَهُ - وَكانَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ قدْ أَعْطَى ذلكَ أُمَّ أَيْمَنَ، أَوْ كما شَاءَ اللَّهُ- فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ ﷺ فَأَعْطَانِيهِنَّ.
فَجَاءَتْ أُمُّ أَيْمَنَ، فَجَعَلَتِ الثَّوْبَ في عُنُقِي، وَتَقُولُ: كَلَّا وَاللَّهِ الذي لا إلَهَ إلَّا هُوَ، لا يُعْطِيكَهُنَّ وقدْ أَعْطَانِيهِنَّ نَبِيُّ اللهِ ﷺ . فَقالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ: لَكِ كَذَا، وتَقُولُ: كَلَّا وَاللَّهِ. فَقالَ: لَكِ كَذَا، وتَقُولُ: كَلَّا وَاللَّهِ. حتَّى أَعْطَاهَا ﷺ عَشَرَةَ أَمْثَالِهِ. كيف تجرأتْ على هذا الإصرارِ؟ إنها دلالُ الأمِّ على ابنِـهَا.
ويحكي أنسٌ أيضاً: ذهبتُ مع النبي ﷺ إلى بيتِـهَا، فقدمتْ له شراباً، فترددَ النبيُّ ﷺ في شربِـهِ، ربما لأنه كان صائماً أو لم يرغبْ فيه، فما كان منها إلا أن رَفَعَتْ صوتَـهَا وأصرتْ عليه حتى شربَـهُ. إنها مواقفُ لا تصدرُ إلا من أمٍّ حنونٍ.
لقد فُجِعَتْ أمُّ أيمنَ باستشهادِ ابنِـهَا أيمنَ في غزوةِ حنينٍ، فصبرتْ. واستشهدَ زوجُـهَا زيدٌ في غزوةِ مؤتةَ، فاحتسبتْ ولم تبكِ. لكنها حين تُـوُفِّيَ النبيُّ ﷺ، انهمرتْ دموعُـهَا. وبعد وفاتِـهِ، كان أبو بكرٍ وعمرُ رضي اللهُ عنهما يزورانِـهَا تكريماً لهَا، فكانوا يتذكرون النبيَّ ﷺ ويبكون معاً. سألوهَا ذاتَ يومٍ: ما الذي يبكيكِ؟ ألا تعلمين أن ما عندَ اللهِ خيرٌ لرسولِـهِ؟، فأجابتْ بحكمةٍ بليغةٍ: بلى، أعلمُ ذلك، ولكنني أبكي لأنَّ الوَحْيَ قد انقطعَ من السماءِ. فبكى الشيخانِ تأثراً بكلماتِـهَا وإيمانِـهَا.




