عن الأشعث بن قيس : قَدِمتُ على رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في وَفدِ كِندةَ، فقال لي: هل لك مِن وَلدٍ؟ قُلتُ: غُلامٌ وُلِدَ لي في مَخرَجي إليك مِن ابنةِ جَمْدٍ، ولوَدِدتُ أنَّ مَكانَه شِبَعُ القَومِ، قال: لا تَقولَنَّ ذلك؛ فإنَّ فيهم قُرَّةَ عَينٍ، وأجرًا إذا قُبِضوا، ثُمَّ لئنْ قُلتَ ذاك، إنَّهم لَمَجبَنةٌ مَحزَنةٌ، إنَّهم لمَجبَنةٌ مَحزَنةٌ.
لقد كان النبيُّ ﷺ يقتلعُ جذورَ الجاهليةِ التي لم تنطفئْ في نفوسِ البعضِ حتى بعد الإسلامِ. بُعثَ النبيُّ ﷺ في زمنٍ كان يـُعتبرُ فيه الأبناءُ عبئاً أو سبباً للفقرِ، بل كان البعضُ يدفنُ البناتِ أحياءً خوفاً من العارِ. علّمهم النبيُّ ﷺ أنَّ ولادةَ الأطفالِ مبعثُ سرورٍ وفخرٍ، وبيّنَ للإنسانيةِ عظمةَ تقبيلِـهم والإنفاقِ عليهم.
رأى أعرابيٌّ النبيَّ ﷺ يقبّلُ حفيدَهُ الحسنَ، فقالَ بتعجبٍ: أتقبّلونَ صبيانَـكم؟ فواللهِ إنَّ لي عشرةً من الولدِ ما قبّلتُ واحداً منهم قط. فغضبَ النبيُّ ﷺ وقالَ: أو أملكُ لكَ أن نزعَ اللهُ من قلبِكَ الرحمةَ؟! مَنْ لا يَرحَم لا يُرحَم.
كان من سُنةِ النبيِّ ﷺ إعلانُ الفرحةِ بالمولودِ وإخبارُ الأقاربِ والأصحابِ. حينَ وُلِدَ ابنهُ إبراهيمُ، خرجَ إلى أصحابـِـهِ فرحاً وقالَ: وُلِدَ لي الليلةَ غُلامٌ، فسميتُـهُ باسمِ أبي إبراهيم.
من أعظمِ الحقوقِ للطفلِ اختيارُ الاسمِ الحسنِ. كان أبناءُ النبيِّ الذكورُ: القاسمَ، وعبدَ اللهِ، وإبراهيمَ. تُوفي القاسمُ وهو في الثانيةِ والنصفِ من عمرهِ، وبـه كـُني النبيُّ ﷺ بـأبي القاسم. أما عبدُ اللهِ فتوفي بمكةَ بعد النبوةِ، وعاشَ إبراهيمُ ثمانيةَ عشرَ شهراً فقط ثم تُوفي بالمدينةِ. أما بناتُـهُ الأربعُ فهنَّ: زينبُ، ورقيةُ، وأمُّ كلثومٍ، وفاطمةُ.
عاشَ النبيُّ ﷺ بينَ بناتِـه بعد وفاةِ أبنائـهِ الذكورِ، واعتبرَ تربيةَ البناتِ اختباراً إلهياً: هل نؤدي حقَّــهُنَّ؟ هل نـُعلّمُــهُنَّ ونـُهذّبُــهُنَّ؟ وقد وعدَ النبيُّ مَنْ صبرَ على تربيتـهنَّ وأحسنَ إليهنَّ بأن يكنَّ لــهُ حجاباً من النارِ.
ومن أهمِّ الواجباتِ اختيارُ الزوجِ الصالحِ لهنَّ. زوَّجَ النبيُّ بناتِــه لرجالٍ من خيرةِ الناسِ. فكانَ زوجُ زينبَ هو أبو العاصِ، التاجرُ الصادقُ الوفيُّ. ورغمَ تأخرِ إسلامِــهِ، بقيت زينبُ معــهُ في البدايةِ، ثم فـُرِّقَ بينهما، إلى أن أسلمَ، وبعد إسلامه استمرّا في الزوجية.
أما رقيةُ، فقد زوَّجَها النبيُّ لعثمانَ بنِ عفانَ، الرجلِ الغنيِّ التقيِّ الكريمِ. وبعدَ وفاتِـها، زوَّجَــهُ النبيُّ أختَـها أمَّ كلثومٍ. وجميعهنَّ تـُوفينَ في حياةِ النبيِّ ﷺ إلا فاطمةَ، بضعةَ قلبـِـهِ، فقد بقيت بعدهُ.
عندما تقدمَ عليٌّ لخِطبةِ فاطمةَ، استشارَها النبيُّ ﷺ، فسكتتْ، وسكوت البكر إذنها. علّمنا النبيُّ ﷺ بذلك درساً في استئذان البناتِ عند الزواجِ. ولم يشقَّ النبيُّ على أزواجِ بناتـِـه في المـُهورِ، فعندما قالَ عليٌّ إنه لا يملكُ شيئاً، سألَــهُ النبيُّ عن درعـِـهِ الحُطميةِ، فجعلَها مـَهراً لفاطمةَ.
كانَ جهازُ فاطمةَ بسيطاً جداً: ثوباً، ووسادةً من جلدٍ حشوُها ليفٌ، ورحيينِ للطحنِ، وسقاءً، وجرتينِ. هكذا ساعدَ الأبُ ابنتَــهُ وزوجَها الفقيرَ بأساسياتِ البيتِ. وكانَ الزفافُ بسيطاً، وتعاونَ الصحابةُ في وليمتـهِ، فقدَّمَ سعدٌ شاةً، وجمعَ آخرونَ طعاماً، فتمت الوليمةُ بما تيسّرَ.
عطف النبي صلى الله عليه وسلم لأولاده
كان النبيُّ ﷺ يـُظهرُ عطفَ الأبوةِ حتى لبناتـِـهِ اللاتي كبرنَ وتزوجنَ. فكان يزورُ فاطمةَ في بيتـِـها، وهي كذلك تزورهُ. وإذا أقبلت فاطمةُ عليه، استقبلَـها النبيُّ ﷺ قائلاً: مرحباً بابنتي. ثم يقبّـلُها ويأخذُ بيدِها ليـُجْلِسَـها مكانَـهُ. وإذا زارَها هو ﷺ، هُرعت إليه تستقبلُــهُ بحفاوةٍ، وتُقَبّلُ يدَهُ، وتُجلِسُــهُ في مكانـِـها. لقد كانت فاطمةُ تشبهُ النبيَّ ﷺ في هديـهِ ومشيتـهِ وحديثـهِ.
ذاتَ يومٍ، ذهبت فاطمةُ إلى بيتِ النبيِّ ﷺ وقد أرهقَـها العملُ اليدويُّ؛ فكفُّـها قد تشقّقت من أثر الرَّحى أي طاحونة الحبوب. كانت ترغبُ في طلبِ خادمةٍ تُعينُها، بعدما جاء للنبيِّ سبيٌ من الغنائمِ. لم تجد النبيَّ ﷺ في البيتِ، فتركت خبرَها. وعندما استعدَّ عليٌّ وفاطمةُ للنومِ ليلاً، دخلَ عليهما النبيُّ ﷺ. وحين هَمَّا بالنهوضِ إجلالاً لــهُ، قال ﷺ: مكانَـكما. جلسَ النبيُّ ﷺ بينهما، حتى شعرت فاطمةُ ببردِ قدميـهِ على صدرِها. ثم قال لهما: ألا أدلُّـكما على خيرٍ مما سألتـما؟ إذا أويتـما إلى فراشـكما، فسبّحا اللهَ ثلاثاً وثلاثين، واحمداهُ ثلاثاً وثلاثين، وكبّراهُ ثلاثاً وثلاثين؛ فذلك خيرٌ لكما من خادمٍ. ثم أوضحَ النبيُّ موقفـَــهُ بوضوحٍ: كيف أُعطيـكما وأهلُ الصُّفَّةِ تطوى بطونُـهم من الجوعِ؟ سأبيعُ هذا السبيَ لأشتريَ بـثمنـِـهِ طعاماً لـهؤلاءِ المساكينِ.
لقد أراد النبيُّ ﷺ أن يـُعلّمَ ابنتَــهُ وزوجَـها درساً عظيماً: ألا يـُستخدمَ المالُ العامُّ للأغراضِ الشخصيةِ، وأنَّ الرضا بالبساطةِ والزهدِ في الدنيا هو الطريقُ الأسمى. كما قدّمَ لهما هذا الذكرَ كدواءٍ روحانيٍّ، فقد ذكرَ العلماءُ أنَّ مَنْ داومَ عليه لم يشعرْ بثقلِ أعباءِ المنزلِ. فمن الطبيعيِّ أن يـُحبَّ المعلمُ الأولُ ﷺ لأهلِ بيـتـِـهِ ما يـُحبُّه لنفسـهِ من الزهدِ والسموِّ الروحيِّ.
وفي موقفٍ مماثلٍ، ذهبَ النبيُّ ﷺ لزيارةِ فاطمةَ كعادتـهِ، فرأى على بابـِها ستراً ملوناً ومزخرفاً، فلم يدخلِ البيتَ. وعندما عادَ عليٌّ، وجدَ فاطمةَ حزينةً. سألـها: ما بـكِ؟.قالت: جاء النبيُّ ﷺ لكنـَّـهُ لم يدخل. فذهبَ عليٌّ مسرعاً إلى النبيِّ ﷺ وأخبرَهُ بحزنِ فاطمةَ. أجابَ النبيُّ ﷺ: مالي ولِلدّنيا؟ إني رأيتُ على بابـِها ستراً مزخرفاً.
نقلَ عليٌّ قـولَ النبيِّ ﷺ لزوجتـهِ، فقالت بفدائيةٍ: مـُرني بما شئتَ وسأفعلُه. فقال ﷺ: أرسلي بـهذا السترِ إلى فلانٍ، فإنه محتاجٌ إليه. لم يمنع النبيُّ السترَ لأنه حرامٌ بدليلِ أمرِهِ بإعطائهِ لغيرِها، بل لأنَّ مظاهرَ الترفِ لا تليقُ بحياةِ الزهدِ التي اختارَها النبيُّ ﷺ لنفسـهِ ولابنتـه.
وصايا النبوة
لم تقتصر وصايا النبيِّ ﷺ لأبنائـهِ على النصحِ السريِّ، بل وجَّهَــها علانيةً بكلِّ حزمٍ ورسميةٍ. وردَ في الحديثِ: يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، أنقذي نفسَـكِ من النارِ. يا فاطمةُ بنتَ محمدٍ، سليني من مالي ما شئتِ؛ لا أغني عنكِ من اللهِ شيئاً.
لقد وجَّهَ النبيُّ ﷺ الخطابَ لابنتـهِ وسطَ إعلانـهِ العامِّ للإسلامِ، ليؤكدَ أنَّ النجاةَ مرهونةٌ بالإيمانِ والعملِ، وأنه لا مجالَ للمحسوبيةِ أو القرابةِ إذا لم يسلكِ المرءُ هذا الدربَ. أما الشفاعـةُ التي ثبتت للرسولِ، فهي مخصصةٌ لمن دخلَ في هذا الدينِ وشهدَ شهادةَ الحقِّ.
لم يعلّم النبيُّ ﷺ أبناءَهُ أصولَ العقيدةِ والفرائضِ فحسب، بل حثَّــهم على النوافلِ والأذكارِ. قال ذاتَ يومٍ لفاطمةَ: ما يمنعُكِ أن تسمعي ما أوصيكِ بـهِ؟ أن تقولي إذا أصبحتِ وإذا أمسيتِ: يا حيُّ يا قيومُ برحمتِكَ أستغيثُ، أصلحْ لي شأني كلَّــهُ، ولا تكلني إلى نفسي طرفةَ عينٍ.
شهدَ النبيُّ ﷺ وفاةَ أبنائـهِ وأحفادِهِ، ممّا ملأ قلبَــهُ الرحيمَ حزناً وفاضت عيناهُ بالدموعِ. تُوفي ابنُـهُ إبراهيمُ في بيتِ مرضعتـهِ، فحين وُلِدَ إبراهيمُ تنافستِ النساءُ على إرضاعـهِ، حتى نالت هذا الشرفَ أمُّ بردةَ أي خولةُ، زوجةُ البراءِ بنِ أوسٍ. كان زوجُـها أبو سيفٍ حداداً، وكان النبيُّ ﷺ يذهبُ لزيارةِ طفلـِـهِ في بيتهما رغمَ دخانِ الموقدِ. وكان أنسٌ رضي الله تعالى عنه يسبقُ النبيَّ ﷺ ليخبرَ أبا سيفٍ بقدومـهِ كي يوقفَ النفــخَ في النارِ.
كان مشهدُ وفاةِ إبراهيمَ مؤثراً للغايةِ، فقد انهمرت دموعُ المصطفى ﷺ. يروي أنسٌ أنهم دخلوا مع النبيِّ ﷺ على أبي سيفٍ، فأخذَ النبيُّ الصبيَّ وقبَّلَــهُ. وفي يومٍ آخرَ، دخلوا والطفلُ يلفظُ أنفاسَــهُ الأخيرةَ، فذرفت عينا النبيِّ ﷺ الدموعَ. سألـهُ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: وأنتَ يا رسولَ اللهِ أي تبكي؟ فقال ﷺ: يا ابنَ عوفٍ، إنها رحمةٌ، ثم أتبعَـها بغيرِها وقال: يا إبراهيمُ، إنا لا نغني عنكَ من اللهِ شيئاً.. العينُ تدمعُ، والقلبُ يحزنُ، ولا نقولُ إلا ما يرضى ربـُّـنا، وإنا بفراقِكَ يا إبراهيمُ لمحزونون.
وفي حديثٍ آخرَ، قال النبيُّ ﷺ عند وفاةِ إبراهيمَ: إنَّ لإبراهيمَ ظئراً أي مرضعةً في الجنةِ تُتمُّ رضاعتـَــهُ. فقد تُوفي إبراهيمُ وهو في الشهرِ الثامن عشر أو السادس عشر، ولم يكمل عامي الرضاعـةِ، فأخبرَ النبيُّ أنَّــهُ سيـُكملُ مـدَّتـَــهُ في الجنةِ. وعندما توفيت بناتُــهُ، كان النبيُّ ﷺ هو الذي يشرفُ على غسلـِـهنَّ وتكفينـِـهنَّ ودفنـِـهنَّ، ثم يقفُ عند قبورِهـنَّ داعياً لـهـنَّ.




