في العام السادس للهجرة، خرج النبيُّ المصطفى من المدينة متوجهًا إلى مكة لأداء العمرةِ، ومعه ألفٌ وخمسمائةِ صحابيٍّ. وعندما وصل الركبُ إلى منطقة الأبواء، استعادت الذاكرةُ النبويةُ طيفَ رحلةٍ مضى عليها خمسون عامًا.
لقد سلك النبيُّ هذا الطريقَ ذاتَ يومٍ بصحبة أمّهِ. نعم، لقد كان لرسولِ الله الذي جاء ليعلّم البشريةَ القيمَ والدةٌ رحيمة، وعاش النبيّ صلى الله عليه وسلم في رحمِ تلك الوالدة تسعةَ أشهرٍ. وهي أوفرُ نساء العالمين حظًّا، فبطنُها كان أطهرَ وعاءٍ حمل خيرَ البريةِ.
اسمُ تلك الوالدة آمنةُ بنتُ وهبٍ من بني زهرة. هي التي ذاق النبيُّ لبنَها أولًا، وعلى حجرِها وضع رأسَه، ومن عطفِها استمدّ الحنانَ الأوّلَ. في طفولته، زار الرسولُ المدينةَ بصحبة أمّهِ وخادمتها أمّ أيمن، وكان عمرُه حينذاك ستَّ سنواتٍ. كانت الرحلةُ لزيارة أخوال جدّه عبد المطلب من بني النجار، الذين تولّوا رعايته حتى سنّ الثامنة.
نزل النبيُّ وأمُّه في بيتِ رجلٍ يُدعى نابغة، وهو المكانُ الذي عُرف لاحقًا بدار النابغة. ظلّ النبيُّ يذكرُ تلك الأيامَ ويقول: هنا سكنتُ مع أمّي، وفي بئر بني عديّ بن النجار تعلّمتُ السباحةَ، ومع صديقتي أنيسة كنتُ ألعبُ وأُطيرُ العصافيرَ.
لكن، هل كانت زيارةُ الأخوالِ هي المقصدَ الوحيدَ لآمنة؟ الأرجحُ أنها ذهبت لتزورَ قبرَ زوجِها الراحلِ عبد الله، الذي دُفِنَ في دار النابغة. واليوم، يقع ذلك المكانُ في ساحة المسجد النبوي.
في ذلك العصر، كان من عادة الأراملِ الزواجُ سريعًا، لكنَّ آمنةَ لم تفكر في غيرِ زوجها عبد الله؛ وفاءً وحبًّا له. لقد قطعت مسافةَ 500 كيلومترٍ لتستنشقَ ريحَ ذكراه، رغم أن حياتهما الزوجيةَ كانت قصيرةً جدًّا.
لقد كانت فتياتٌ كثيراتٌ يتمنّينَ الزواجَ من عبد الله، لكنَّ القدرَ اختار آمنةَ. وبمجرّد الزواج، انتقل نورُ النبوة من صلب عبد الله إلى رحم آمنة. وبعدها، لم يعد أحدٌ يطمعُ في عبد الله. لأنّ ذلك النورَ الذي كان يضيءُ وجهَه قد اختفى. توفي عبد اللهُ في رحلة تجاريّة. ربّما لثمت آمنة في تلك الزيارة جدرانَ البيت الذي يحمل ذكريات حبيبها عبد الله!
لم تكن آمنةُ غافلةً عن عظمة ما تحملُه، فقد شهدت المعجزاتِ أثناء حملها. لم تشعر بما تشعر به النساءُ من آلامِ الطلق، وكان الأنبياءُ يزورونها في المنام يبشّرونها بأنها تحمل سيدَ العالمين. وعندما وُضِعَ المولودُ، سقط ساجدًا لله، وخرج منها نورٌ أضاءت له قصورُ بصرى في بلاد الشام.
منذ نعومة أظفاره، مشى النبيُّ وفي ركابه المعجزات. وفي تلك الرحلة، رأى اليهودُ الصبيَّ الصغيرَ، فقالوا للسيدة آمنة: إنَّ ابنَكِ هو نبيُّ هذه الأمة. سأل بعضُهم عن اسمه، وراقبه آخرون بدقّة، وحذّروا الأمَّ بضرورة الحفاظ عليه، فداخلَ الخوفُ قلبَها عليه.
تحرّك الركبُ الثلاثيُّ من المدينة عائدًا، وكان وباءُ الملاريا حينها يفتكُ بالناس، فتسلّلت العدوى إلى جسد آمنة. بدأت أعراضُ المرض تظهر، وعند وصولهم إلى الأبواء، اشتدَّ الوجعُ عليها. كانت مكةُ لا تزال تبعد 180 كيلومترًا، وهو ذات المكان الذي يقف فيه النبيُّ الآن بعد خمسين عامًا مع أصحابه، مسترجعًا ذكرياتِ الماضي. حينها، ضمت آمنةُ طفلَها الغاليَ إلى صدرها، وأنشَدَت:
إنْ صحَّ ما أبصرتُ في المنامِ فأنتَ مبعوثٌ إلى الأنامِ
بشّرته بأنّه سيُبعثُ بدين أبيه إبراهيم، وحذّرته من عبادة الأوثان، وأوصته بالتقوى ومجانبة الأصنام. ثم قالت السيدةُ : كلُّ حيٍّ ميتٌ، وكلُّ جديدٍ بَالٍ، وكلُّ كبيرٍ يفنى. وها أنا أموتُ، لكنَّ ذكري سيبقى، فقد تركتُ خيرًا، ووَلَدتُ طهرًا.
ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى تُوفِّيَت الأمُّ في الأبواء. ويُروى أنَّ الجنَّ رثوا السيدةَ آمنةَ بأبياتٍ تنبأت بمستقبل ابنها، واصفينَ إياها بالجميلة الصابرة، زوجة عبد الله وأم نبيّ الهدى.
جلس النبيُّ في الأبواء يستعيد ذكرياتِ السادسة من عمره. ظلَّ صامتًا ساكنًا من الصباح، لا يكلّمُ أحدًا. لم يدرِ أحدٌ سرَّ هذا الجمود، هل تراءت له صورتُها وهي تودعُه وتتركُه وحيدًا مع مربّيته في قلب الصحراء؟ أيُّ شجنٍ اعتصر قلبَها وهي تغمض عينيها للأبد بعيدًا عن الديار؟
عند العصر، نهض النبيُّ وأسرع الخطى بين القبور حتى جلس عند قبرٍ معلوم. طال مكثُه هناك، فذهب الصحابةُ ليتفقّدوه، فإذا به يبكي حتى سالت دموعُه. ذُهل الأصحابُ وسألوا: ما بك يا رسول الله؟. أجابهم: استأذنتُ ربّي في زيارة قبرِ أمّي فأذن لي، واستأذنتُه في الاستغفار لها فلم يُؤذن لي.
انظر إلى عمق الوفاء، خمسون عامًا مرّت وما زال الحنينُ يتدفّقُ لأمٍّ لم يعش معها إلا كالحلم. أما عدمُ الإذن بالاستغفار، فلا يعني أنها ستُعذّب، فهذا يخالف نصَّ القرآن. فقد ذكر اللهُ تعالى في سورة يس أنَّ الأقوامَ الذين لم يأتهم نذيرٌ لا يُحاسبون، قال تعالى: } لِتُنذِرَ قَوْماً مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} ( يس: 6). وقال سبحانَه: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15].
السيدة آمنة ومدة الفترة
كان عيسى عليه الصلاة والسلام هو النبيَّ الذي سبق نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم. والمدّة بين هذين النبيين تُعرف بزمن الفترة يعنى بِزمنٍ لم يُبعث فيه رسولٌ. ويذهبُ العلماءُ إلى أنَّ أهلَ هذه الفترةِ لا يعذّبون. لقد وقف النبيُّ عند قبر أمّه يبكي طويلاً حتّى أبكى معه ألفًا وخمسمائةِ صحابيٍّ. لقد علّمنا الرسولُ عظمة الوالدين، حتّى إنّه نهى عن سبِّ أبي جهل أمام ابنه عكرمة بن أبي جهل، كيلا ينجرحَ شعورُ الابن المؤمن. فكيف يعذّب بآمنة التي غرست في ابنها التوحيدَ حتى أنفاسها الأخيرة!
يؤكد القرآنُ أنَّ الذين يؤذون رسولَ اللهِ لهم لعنةٌ وعذابٌ أليمٌ في الدارين. وقد ورد في سورة الشعراء ما يشير إلى أنَّ النبيَّ تقلّب في أصلاب الساجدين. أمّا عدمُ الإذن بالاستغفار، فربّما لأنَّ الذنبَ غيرُ موجودٍ أصلاً، فمن لا ذنب له لا يحتاجُ إلى الاستغفار.
وختاما نورد بكلمات الدكتور محمد عبده اليماني: يا آمنةُ المباركةُ، يا من اختاركِ اللهُ لتكوني أمًّا لخير الرسل.. ما أطهرَ ذلك الرحمَ الذي كان مأوىً لأحمد! لقد ألبستِ الزمانَ حُللَ الفخرِ، ووضعتِ في تاجِ الدهرِ أغلى جوهرةٍ. إنَّ الذين أساؤوا إليكِ لم يعرفوا قَدرَكِ. نحن رضينا بدينِ ابنكِ دينًا، وإذا كانت البقعةُ التي ضمت جسدَ النبي هي الأطهرَ في الأرض، فإنَّ رحمَ آمنةَ هو المكان الأول الذي احتضن وتكون فيه ذلك الجسدُ الشريفُ.
وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كابنٍ بارٍّ، لا يمكن أن ننسى تلك السيدةَ العظيمةَ التي احتضنته بعد وفاة أمّه وهو في السادسة، فصارت له كأمّه الثانية.




