كلّا، ليس من اللائق أن يقوم عالمٌ مِثلك بغسل أطباقي!
أمسكتُ بيدِ الداعيةِ الإسلاميِّ الشهيرِ الذي حاولَ غسلَ أطباقي بعد تناول الطعام. حينها قالَ هذه الكلمات التي تستحقُّ التأملَ: أنت ضيفي، وخدمةُ الضيفِ حقٌّ لي لثلاثةِ أيامٍ.
من العجيبِ أن نرى كيف تؤثرُ كلماتُ رجلٍ عاشَ قبلَ ألفٍ واربعِمائةِ عامٍ، وعلى بُعدِ آلافِ الكيلومتراتِ، في سلوكِ البشرِ اليومَ! إنَّ وصايا النبيِّ محمدٍ ﷺ عن حقوقِ الضيفِ هي التي دفعتْ صديقي العالِمَ لغسلِ الأطباقِ التي أكلتُ فيها. فماذا قالَ النبيُّ ﷺ عن الضيفِ؟ لنلقِ نظرةً على بعضِ تلك التعاليمِ.
لم يكتفِ النبيُّ ﷺ بالحثِّ على إطعامِ الضيفِ فحسب، بل أمرَ بإكرامِ الضيفِ. وقد ربطَ ذلك الإكرامَ بحقيقةِ الإيمانِ في القلبِ، حيث قالَ ﷺ: مَنْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ، فليُكرمْ ضيفَهُ. وفي حديثٍ آخرَ ما في الناس مِثل رجل آخذ بعنان فرسه ، فيجاهد في سبيل الله ، ويجتنب شرور الناس ، ومثل رجل باد في غنمه يقري ضيفه ، ويؤدي حقه. يوضحُ هذا الحديثُ الذي رواهُ الإمامُ أحمدُ أنَّ إكرامَ الضيفِ يعدلُ في الفضلِ الجهادَ في سبيلِ اللهِ.
علّمَ النبيُّ ﷺ أنَّ الضيافةَ ثلاثةُ أيامٍ، ويومُه الأولُ هو الجائزةُ، وما زادَ فهو صدقةٌ. كما حذّرَ الضيفَ من إحراجِ المضيفِ. فسألوا: كيف يحرجُهُ؟. قالَ: يُقيمُ عندَهُ حتى لا يجدَ المضيفُ ما يُنفِقُ عليهِ. وبذلك علّمَنا النبيُّ ﷺ مراعاةَ ظروفِ الناسِ. كانَ النبيُّ ﷺ قدوةً في الكرمِ. وعندما لا يجدُ في بيتِهِ شيئاً، كانَ أصحابُه يتسابقونَ للقيامِ بهذهِ المهمةِ. ويسجلُ التاريخُ قصصاً ذهبيةً لصحابةٍ آثروا الضيوفَ على أنفسِهِم رغمَ الجوعِ والفقرِ. هذا هو أبو طلحةَ ليس ذاك الغنيُّ المشهورُ، بل رجلٌ آخرُ من الأنصارِ الذين نصروا النبيَّ ﷺ. كانَ هو أولَ من استجابَ لطلبِ النبيِّ ﷺ في إكرامِ الضيفِ.
جاء رجلٌ إلى حضرة النبي ﷺ وقال: إني مجهودٌ يا رسول الله أي نال منه الجوع والتعب. فأرسل النبيُّ رسولَهُ إلى بيوت زوجاته يبحث عن طعام، فلم يجد في بيوتهن شيئاً، وتؤكد السيدة عائشةُ رضي الله تعالى عنها هذا الحال بقولها إن النار لم تكن توقد في بيوتهن لشهور. وعندما سُئلت: بمَ كنتم تعيشون؟ قالت: بالأسودين: الماءِ والتمرِ، وربما أهدت بعضُ جاراتنا من الأنصار لبناً من منائحهنَّ فسقانا النبيُّ.
فلما علم النبيُّ ﷺ بضيق الحال في بيوته، سأل أصحابه: مَنْ يُضيفُ هذا؟ رَحِمَهُ اللهُ. فقام أبو طلحةَ طمعاً في دعاء النبي ﷺ واصطحب الضيفَ إلى بيته، وقال لزوجته: أكرمي ضيفَ رسولِ اللهِ.
أجابت الزوجةُ بحيرة: ما عندنا إلا قوتُ الصبيانِ. فقال زوجها: قدّمي ذلك الطعامَ للضيف، ونوِّمي الصبيةَ. فإذا جلس الضيفُ للأكل، فقومي إلى المصباح كأنكِ تصلحينه، ثم أطفئي السراجَ؛ ليوهمَه أننا نأكل معه. وفعلوا ذلك، فبات الزوجان طاويينِ أي جائعين وأكل الضيفُ. وفي الصباح، قال لهما النبي ﷺ: لقد عجبَ اللهُ من صنيعكما. ونزل في حقهم قولُه تعالى من سورة الحشر: وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ.
تجربة المقداد بن عمرو
أما تجربةُ المقدادِ بن عمروٍ فكانت عجيبة، فقد جاع هو وصاحباه حتى كادوا يفقدون بصرَهم. ذهبوا لعدّة أشخاص فلم يجدوا قِرىً أي ضيافة، فانتهوا إلى النبي ﷺ. فأخذهم إلى بيته حيث كانت هناك ثلاثُ عنازٍ، فقال النبيُّ: احلبوا هذه الأعنزَ. فكنا نحلب ونشربُ نصيبَنا، ونتركُ للنبي ﷺ نصيبَهُ.
كان النبيُّ ﷺ يأتي ليلاً فيسلّم تسليماً يوقظ اليقظانَ ولا يزعج النائمَ، ثم يصلّي، ثم يشربُ نصيبَهُ. وفي إحدى الليالي، غلبني الشيطانُ بعدما شربتُ نصيبي، فقلتُ في نفسي: إنّ النبي ﷺ يأتي الأنصارَ فيكرمونه، ولعله ليس بحاجة لهذه الجرعة، فشربتُ نصيبَهُ.
بعدها شعرتُ بالندم والخوف؛ فماذا لو جاء النبيُّ ﷺ ولم يجد شرابَهُ فيدعوعليَّ! سيهلكُ دنيايَ وآخرتي، وبينما أنا أحاول النوم ولا يغطيني ردائي القصير، جاء النبيُّ ﷺ، وسلّم، وصلّى، ثم فتح الإناءَ فلم يجد فيه شيئاً، فرفع النبيُّ يدَهُ ليدعو، فارتعدتُ خوفاً، لكنه قال: اللهم، أطعم من أطعمني، وأسق من أسقاني.
فرحتُ بهذا الدعاء، وأردتُ أن أنالَ شرفَه. ذهبتُ إلى العنازِ لأذبحَ واحدةً منها للنبي ﷺ، ففوجئتُ بأن ضروعهنَّ ممتلئةٌ باللبن بشكل معجز، فحلبتُ ملءَ الإناءِ وقدّمته للنبي ﷺ، فسألني: أشربتم شرابكم الليلة؟ قلتُ: اشرب يا رسول الله. فشربَ ثم ناولني، فأعدتُه إليه حتى شربَ وارتوى. حينها ضحكتُ حتى سقطتُ على الأرض من الفرح، فعرف النبيُّ أن ثمّة أمراً، فحكيتُ له ما كان، فقال ﷺ: هذه رحمةٌ من الله، أفلا آذنْتَني أي أخبرتني فنوقظَ صاحبينا فيصيبا منها؟.
لقد كان النبيُّ مَلجأً لكلِ ذي ألمٍ، وسنداً لكلِ مَنْ أثقلتْهُ الهمومُ. وفي التاريخِ، كانت فئةُ العبيدِ هي الأكثرَ معاناةً وقسوةً في العيشِ. وعندما بُعثَ النبيُّ، كان نظامُ الرقِ شائعاً ومنتشراً في أرجاء الأرضِ.




