في إحدى الليالي خرج الشيخ أحمد الرفاعي ثم عاد إلى بيته، فوجد الباب مفتوحًا، ولم يكن في البيت أحد. دخل بهدوء وقد ساوره الشكّ، فإذا به يرى رجلًا قد دخل ليسرق، منشغلًا بالبحث عن الحبوب.
فلما رأى السارقُ صاحب البيت اضطرب وخاف. وكانت الحبوب يومئذٍ ذات أسعار عالية في السوق. فلاحظ الرفاعي اضطرابه، وقال له بلطف: يا ولدي، لا تخف. إن أخذتَ هذه الحبوب، فستحتاج إلى تنقيتها وطحنها، وقد لا تقدر على تكاليف ذلك. سأدلّك على طريق أسهل، تعال معي.
بقي السارق متردّدًا، لكنه لم يجد مفرًا، فاتبع الشيخَ. فأراه أنواعًا من الحبوب المطحونة الجاهزة في البيت. عندها زال اضطرابه قليلًا. ثم سأله الرفاعي: هل معك وعاء تحمل فيه الدقيق ؟ قال: نعم. فأمره أن يأتي به، ثم ملأه له بالدقيق.
ولما خرج السارق، تبعه الشيخُ حتى خارج القرية، ليضمن سلامته من أن يُقبض عليه. وعند حدود القرية قال له: أي ولدي طيّبتَ قلبي طيّب الله قلبك، وما أخذتَه من بيتي قد سامحتُك فيه، فلا تعدّه سرقة. وقف السارق مدهوشًا! أيكون في الدنيا من يفعل هذا؟ ثم قال له الشيخ: كما أدخلت السرور على قلبي، أدخل الله السرور على قلبك.
ثم ودّعه الشيخ، لكن السارق لم يستطع أن ينسى ما حدث. أخذ يتذكر نداء الشيخ له بـ يا ولدي!، وتساهله معه، ومرافقته له حتى خرج من القرية. كلّ ذلك هزّ قلبه هزًّا عميقًا. فقال في نفسه: هذا الطريق الذي أنا عليه ليس صحيحًا. لقد أتاح الله لي فرصة للتغيير. لا بدّ أن أبحث عن هذا الرجل وأتعلم منه.
ثمّ عاد إلى الشيخ، وبكى بين يديه، وطلب الصفح، وسأله أن يرشده إلى طريق الاستقامة. فقبله الرفاعي بصدر رحب، وأدخله في عداد تلاميذه. ومع الأيام أصبح ذلك اللصّ رجلًا صالحًا من أهل الطريق.
كان الرفاعي يرى أن حُسن المعاملة قادر على تغيير الناس، وأن كثيرًا من الانحراف سببه الظروف، لا سوء الطبع، ولذلك كان يسعى إلى إصلاح الناس لا إلى طردهم. وكان صبورًا حليمًا، يتحمل الأذى، ويقبل دعوات الناس.
ومن ذلك أن رجلًا فقيرًا دعاه يومًا إلى بيته مع بعض تلاميذه. فلما وصلوا، لم يجدوا طعامًا ولا استعدادًا. ومع ذلك جلس الشيخ بهدوء دون أن يتغير حاله.
فسأله أحد مرافقيه: لماذا دعوت الشيخ؟ فأجاب الرجل: نحن فقراء جدًا، ولا نملك شيئًا، لكننا دعوناه رجاء أن ننال بركة دعوته، فيرزقنا الله.
لم يعجب هذا الجواب بعض الحاضرين، ورأوه تصرفًا غير لائق. لكن الرفاعي صدّق الرجل، ودعا له بخير، ثم انصرف ببشاشة. وبعد ذلك، وسّع الله على تلك الأسرة في الرزق، وبدّل حالهم إلى خير.
