في إحدى الليالي، كان الناس نيامًا، فسمع الشيخ الرفاعي صوتًا قادمًا من جهة حظيرة الأبقار. خرج ليتفقد الأمر، فإذا برجلٍ يحاول سرقة بقرة. فلما رأى الشيخَ، ارتعد السارق خوفًا. ففهم الشيخ حاله، وتقدّم إليه بهدوء وقال: يا ولدي، لا تخف. أظنّك رجلًا فقيرًا. وهذه بقر الفقراء عجاف. تعال معي، حتى أدلك على ما ينفعك. اطمأنّ السارق قليلًا، اتبع السارق الشيخ بخطواتٍ حذرة، وكأنها أول مرة يسرق فيها بإذن صاحب المال! ثم أتى به إلى مطية هي ملكه قد رباها السيد إبراهيم الأعزب. فأخذه الشيخ إلى بقرةٍ قويةٍ تُستعمل للركوب، فقال له: أي ولدي حل هذه المطية وخذها قبل أن يأتوك الفقراء، فحلَّها وأخذَها وهو خائف أن يستهزىء به. وهو لا يزال متعجّبًا، وتملّكه شعور أنّ الشيخ ربما يسخر منه.
ثم خرج بالبقرة، والشيخ يمشي خلفه حتى وصلا خارج قرية أمّ عَبيدة. هناك وقف الشيخ، وأرشده إلى الطريق وقال: إن سلكت هذا الطريق تصل إلى دقلى ، وهناك تمرّ قوافل تحتاج إلى مثل هذه البقرة، فبِعها بثمنٍ جيّد، وخذ المال وأنفقه على عيالك واستعن به على وقتك. ثم ودّعه الشيخ وعاد إلى بيته ونام.
في الصباح، جاء سيد إبراهيم الأعزب وهو يبكي وكان يومئذ صغير السن ، فسأله الشيخ: لماذا تبكي؟ فقال: إن المطية قد سرقت، فقال الشيخ له مهدّئًا: أي ولدي! لا بأس، اعتبرها ذهبت في سبيل الله، ولا تحزن. ربّنا قادر أن يعوّضنا خيرًا منها، وما في هذه الدنيا لا يبقى. ، ولم يزل الشيخ يلاطفه حتى سكنه وأزال ما عنده
أما السارق، فقد وصل إلى دِقلي وباع البقرة بثمنٍ جيّد. لكن ما حدث معه ظلّ يزلزل قلبه. قال في نفسه: ما هذا الإنسان؟ أيّ رحمةٍ هذه؟ أيّ صبرٍ وكرم!
ومنذ ذلك اليوم، بدأ يبحث عن الشيخ الرفاعي ويتعرّف عليه. حتى فهم حقيقته، فجاء إلى أمّ عبيدة، والتقى به، وطلب العفو، وتعهد أن يعيش حياةً صالحة. وأصبح فيما بعد من الصالحين.
ومن مواقف الشيخ العجيبة أيضًا: أنه اختار أرضًا خالية لا يملكها أحد، ونظّفها وبنى فيها بيتًا بسيطًا، ثم نقل إليه أهلَه وأمتعتَه. وفي مساء نفس اليوم، جاء رجل غاضب وقال: هذه أرضي! اخرجوا منها فورًا. لم يجادله الشيخ، بل أخرج متاعَه القليل، وأخرج أهلَه أيضًا، رغم تذمّرهم.
وبينما هم يغادرون، قال الرجل: يا شيخ، اعذرني، فليس لي حقّ في هذه الأرض. إنما أردتُ أن أختبرك، هل في قلبك تعلّق بالدنيا؟ وقد تأكّدتُ أنك لست من أهلها. لقد أحببتك، فارجع واسكن هنا. فابتسم الشيخ، وعاد مع أهله إلى البيت، واستقرّ فيه.
