وُلِدَ الشَّيخُ الرِّفَاعِي في شهرِ رجبٍ سنةَ (512 هـ)، وكان مولدُه في قريةِ أُمِّ عُبَيْدٍ بمنطقةِ البَطَائِح، الواقعةِ بين واسط والبصرة، وهي من بلادِ العراق المعروفة.
نشأ رضي الله عنه في بيتٍ شريفٍ من بيوتِ النبوّة، إذ ينتهي نسبُه إلى سبطِ رسولِ الله ﷺ، الحسين بن علي رضي الله عنه، فاجتمع له شرفُ النسب وطهارةُ المنبت.
وأمّا جدُّه الأعلى، السيّد يحيى الرِّفَاعي، فهو أوّلُ من قدم إلى العراق من جهةِ المغرب، وذلك في حدود سنة (450هـ)، حيث نزل بالبصرة. وقد عُرف بحياته الزاهدة، وسيرته النقيّة، واشتغاله الدائم بذكر الله تعالى، حتى أشرقت نفسه بأنوار المعرفة، فمالت إليه القلوب، وأحاطه الناسُ بالإجلال والإكرام.
وكان يعيش حياةً منفردةً، لم يتزوّج بعدُ، فرأى بعضُ الصالحين أن يُعينوه على أمر الزواج، ليكون له سَكَنٌ يعينه على طريقه، فوقع اختيارهم على ابنةِ العارف بالله الحسن النَّجّار، لِما عُرف به من الصلاح، ولما عُرف عن ابنته من الاستقامة والروحانية.
فاستجاب السيّد يحيى لهذا الرأي، ولم يردّ نصحَ الناصحين، وتمّ الزواج في بساطةٍ وزهد، بعيدًا عن التكلّف والمظاهر.
ومنذ الليلة الأولى أدرك يحيى مكانةَ زوجتِه، وأنّها ستكون له عونًا على طريق السلوك إلى الله، فعاشا حياةً هادئةً مباركة، رُزقا فيها بولدٍ سمّياه عليًّا. نشأ عليٌّ في كنف والديه على الصلاح والتقوى، وتربّى تربيةً روحيةً عميقة، حتى ظهرت عليه أماراتُ النبوغ والسموّ، واشتدّ شغفه بطلب الحقيقة والسير إلى الله.
ومع مرور الزمن، انتقل إلى منطقة البطائح، فأعجبته قريةُ أُمِّ عُبيد، لما وجد فيها من صفاء البيئة، وصلاح الناس، وملاءمتها لحياته الروحية، فاستقرّ بها.
ومع بلوغه سنّ الشباب، لم يكن يفكّر في الزواج ابتداءً، لانشغاله بأحواله الروحية، غير أنّ بعض الناس أشاروا عليه بذلك، فاستجاب بعد تأمّل، ورأى أنّ الزواج ليس منافياً للسلوك، بل هو من سنن النبي ﷺ، وفيه مجاهدةٌ للنفس، وأجرٌ عظيم.
فأبدى موافقته، وبحث القومُ له عن زوجةٍ صالحة، فكان من تقدير الله أن يقع الاختيار على ابنة عمّه، السيّدة أُمّ الفضل فاطمة، وهي فتاةٌ عُرفت بالصلاح والجمال، وتنتمي إلى بيتٍ كريم.
فأخوها هو الشيخ منصور البطائحي، أحدُ أهلِ الطريق، وأبوها الشيخ يحيى النجار، من أهل الصلاح، كما أن نسبهم ينتهي إلى الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه.
فاجتمع في هذا الزواج شرفُ النسب، وصلاحُ الأصل، فتمّ العقد في بساطةٍ وجمال، وشعر السيّد عليّ بأن لِحَياته معنىً جديدًا قد وُلد، وأن هذا الارتباط سيكون له أثرٌ في مسيرته الروحية.
