كانت حياة الوعظ والإرشاد عند أحمد الرفاعي منبعًا يفيض بعسل المعرفة على الناس. ففي كلّ يوم خميس، وبعد صلاة الظهر، كان يحضر إلى منبر الخَطابة، ويجتمع حوله كبار الخطباء في واسط ليستمعوا إليه، ولإعداد خطبهم ومواعظهم مما يتلقّونه من الشيخ.
وكان يحضر مجلسه العلماءُ، ووجهاءُ الناس، وعامتُهم. ومن أبرز سمات هذا المجلس فتح باب الأسئلة؛ فكان الناس يسألون عن تفسير القرآن، وآخرون عن علم الحديث، وغيرهم عن الفقه، وفريق آخر عن أصول الدين، وهكذا تتنوع الأسئلة في شتى فروع المعرفة، فيجيب الشيخ عن جميعها إجابات دقيقة واضحة، لا يخرج أحدٌ من المجلس وفي نفسه شيء.
يقول أبو زكريا: في أحد المجالس طُرحت نحو مئتي سؤال في موضوعات مختلفة، فأجاب الشيخ عنها جميعًا بدقة ووضوح، دون أن يتغير وجهه أو يظهر عليه تعب، حتى شعرتُ بالضيق من كثرة أسئلة الناس، فقمت وقلت: يا قوم، ألم يكفيكم؟ والله إنّ شيخنا يُسأل عن أدقّ العلوم فيجيب بلا تردّد، ولكن الوقت قد طال، فلننهِ المجلس الآن.
فابتسم الشيخ وقال: يا أبا زكريا، دعهم، فليسألوا ما شاؤوا قبل رحيلي. فهذه الدنيا زائلة، وقد تتغير الأحوال سريعًا.
فما إن سمع الناس ذلك حتى عمّ البكاء في المجلس، وتعالت الأصوات بالنحيب، إذ لم يكونوا يتصوّرون فِراقه. ويُروى أنّ خمسةً منهم ماتوا في المجلس من شدّة التأثر.
وقد دخل على يديه في الإسلام عددٌ كبير من الناس؛ إذ أسلم ما يقارب ثمانية آلاف من النصارى واليهود، وتاب نحو أربعين ألفًا من الناس، فكان مجلسه مدرسةً لتغيير القلوب، واستدعاء الناس إلى طريق الحق، لأن كلماته كانت تخرج من أعماق قلبٍ صادق، فتقع في القلوب كالسهم النافذ.
ولم يمضِ بعد ذلك وقتٌ طويل حتى مرض الشيخ، كما أشار من قبل. بدأ مرضه بإسهال شديد، واستمرّ قرابة شهر، حتى بلغ به الأمر أن يدخل الخلاء نحو ثلاثين مرّة في اليوم.
فسأله أحدهم: كيف ذلك، وأنت لم تأكل أو تشرب منذ عشرين يومًا؟ فأجاب: لقد وعدني الله أن لا يبقى في جسدي لحم عند الرحيل، وها هو اللحم يزول شيئًا فشيئًا، فإذا انتهى، تمّ الرحيل. فبكى الحاضرون بكاءً شديدًا.
وجاء لزيارته الشيخ ابن التركي، فوضع يده على جسده وقال: يا سيدي، ماذا بقي من هذا الجسد إلا العظم والجلد؟ فقال: نعم، لم يبقَ إلا روحي.
وكان يردّد وهو على فراش المرض: آه، كذكرٍ روحي. وحين اقتربت لحظة الفراق، اجتمع أهله حوله، فأغمي عليه، فبكوا، ثم أفاق، فنهاهم عن البكاء. وتقدم عليّ بن عثمان وقال: أعطنا وصيّتك الأخيرة.
فقال الشيخ: يا ابن عثمان، من عمل خيرًا فسيلقاه غدًا، ومن عمل شرًا فسيندم عليه. أشرف الناس من شرفه الله بالطاعة، وأخسّهم من أذلّه بالمعصية.
ثم أغمي عليه مرة أخرى، ثم أفاق وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وأضاف: لا أحد أقرب إلى رحمة الله من أهل الخير. ثم سكت قليلًا. فقال عليّ: زدنا وصية. فقال: يا أبناء عثمان، اتقوا الله سرًا وعلنًا، واعلموا أنّه يراكم. افعلوا الخير، واصبروا على أذى الناس، وواسوا غيركم ما استطعتم. خير المال ما كان حلالًا مقبولًا عند الله، وشرّه ما كان حرامًا. وإذا أساء إليك أحد، فقابل إساءته بحسن خلقك، تصلح حياتك معه. وإذا أحسن إليك أحد، فاشكر الله أولًا، فهو الذي وجّه قلبه إليك. وإذا ابتُليت، فاستعن بالله، فإن البلاء لا يزول إلا بالصبر.
ثم سكت قليلًا، وعاد فنطق بالشهادتين: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقال: لكل شيء أجل، ولكل عمل حساب، وثواب الخير عظيم. تمسّكوا بكتاب الله، واتبعوا طريق الصحابة، واتركوا البدع، وتجنبوا الفرقة، واصبروا، فإن الله يراقبكم.
ثم أوصى بوصية لقمان الحكيم لابنه: وسّع حِلمك للقريب والبعيد، واضبط نفسك مع الشريف والوضيع، واحفظ صداقاتك، وصل رحمك، ولا تقطع أحدًا.
ولم يلبث بعدها طويلًا، حتى نطق بالشهادة مطوّلًا، وأسلم الروح، مودّعًا الدنيا. أشرق وجهه نورًا، وكان ذلك وقت الظهر سنة 570 هـ.
بكى أهله، واضطرب أصحابه، وانتحب مريدوه، وعمّ الحزن الآفاق. وتدفّق الناس إلى أم عَبيدة، وكان يومًا مشهودًا، حضره الآلاف. ودُفن الشيخ تحت قبة يحيى النجار، وظل الناس يتوافدون على زيارته إلى اليوم. لقد كان ميلادًا تجاوز الزمن، وسيرةً قادت العالَمَ بنور العمل والإخلاص.
