رأى أحدُ مُحبّي الشيخ الرفاعي يومًا رؤيا عجيبة، رأى فيها أنّ الرفاعي قد بلغ في العالَم الروحي مقامًا رفيعًا، وأنّه استقرّ في مَقعد الصِّدق؛ ذلك المقام الذي هو رمزٌ للصدق مع الله وتمام القرب منه.
وفي اليوم نفسه، قصد بيت الشيخ ليهنّئه أو ليتأمّل حاله. غير أنّ ما رآه هناك زلزل قلبه وأربك وجدانَه. كان للشيخ زوجةٌ سيئةُ الخلق، حادّةُ اللسان، لا تتورّع عن سَبِّه وإهانته، بل تصفه بما لا يليق. ولم تقف عند هذا الحدّ، بل كانت تُسيء إليه إساءةً ظاهرة. وقد صادف الزائرُ لحظةً كانت تسكب على رأس الشيخ بوعاء من الرماد، حتى تلطّخ رأسه وثوبه بالرماد! ومع ذلك، كان الشيخ صامتًا، لا يردّ، ولا يُبدي أدنى مقاومة.
لم يحتمل الرجل هذا المشهد، فانصرف مغضبًا، وتوجّه إلى تلامذة الشيخ قائلاً: أما ترون ما تفعله هذه المرأة بشيخكم؟ كيف تسكتون؟! فأجابوه بهدوء: إنّ مهرها كبير، وقد بلغ خمسمائة دينار، والشيخ فقير لا يملك أداءه، فلذلك يصبر.
فلم يتردّد الرجل، بل سعى حتى جمع المبلغ كاملًا، ثم عاد إلى الشيخ وقدّمه له قائلاً: هذا مهر زوجتك، تخلّص منها، فقد بالغتْ في إيذائك!
ابتسم الشيخ الرفاعي، وقال في هدوء العارفين: أوليس هذا الذي رأيتَه في منامك من مقامي في مقعد الصدق؟ والله، ما كنتُ لأبلغه لولا صبري على ما ترى.
كان الرفاعي مثالًا نادرًا في الخُلُق؛ صبرٌ عجيب، وأدبٌ رفيع، ووفاءٌ لا يتزعزع. إذا وعد أوفى، وإذا دعا شمل بدعائه عموم المسلمين. كان بابه مفتوحًا للجميع، وبيئته في غاية البساطة. يصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عمّن ظلمه، ويُحسن إلى من أساء إليه. يخدم من حوله، ويتحمّل زلات أصدقائه دون شرط. يُطعم الجائع، ويكسو العاري، ويزور المرضى - صالحَهم وطالحَهم - ولا يتأخر عن اتباع الجنائز.
كان يجلس مع الفقراء، ويأكل معهم، ويصبر على أذاهم، ويقصد الخير حتى لأعدائه. يبدأ من يلقاه بالسلام، ويُؤثر غيره بما لديه، ويُجيب الدعوات، ويشارك الناس أفراحهم وأحزانهم.
لم يكن يتكبر عن خدمة المساجد أو تنظيف الأماكن العامة، بل كان يبادر إلى ذلك بنفسه. وكان حديثه مع الناس صغارًا وكبارًا مفعمًا بالأدب والاحترام.
إذا رأى ما يُعجبه، اكتفى بابتسامة هادئة، لا يُكثر الضحك. وكان يُعلي من شأن صلة الرحم، ويقبل أعذار الناس، بل يسارع أحيانًا إلى إسقاط اللوم قبل أن يُقدَّم الاعتذار.
كان الحزن يغلب على وجهه، لا يأسًا، بل خشيةً من الله. قلبه ممتلئٌ بالمهابة، كأن الخوف الإلهي قد صقله تهذيبًا.
إذا مشى، لا يلتفت يمينًا ولا شمالًا، بل يُطأطئ رأسه تواضعًا. وإذا رأى أعمى، أمسك بيده وقاده، وخاطبه بلطف، وطلب منه الدعاء.
كان يقصد بيوت الفقراء ليلًا، يحمل على كتفيه الطعام، ويوزّعه على الأرامل والمحتاجين، والناس نيام. يخدم المرضى، بل ويغسلهم، ويُنظّف ثيابهم، ويُطعمهم، ثم يقول لهم في ختام خدمته:ادعوا لي.
كان للأيتام كالأب الحنون، وللأرامل كالزوج الرحيم. وإذا همّ بالكلام، فكّر طويلًا؛ فإن وجد فيه خيرًا قاله، وإلا آثر الصمت.
وكان يخشى ضياع أنفاسه فيما لا ينفع، ويقول: من شُغل بما لا يعنيه، فاته ما يعنيه. ومن شعر الشيخ أحمد الرفاعي ، على ما قيل :
إذا جنّ ليلي هام قلبي بذكركم أنوح كما ناح الحمام المطوق
وفوقي سحاب يمطر الهم والأسى وتحتي بحار بالأسى تتدفق
وكان كثيرا ما ينشد هذا الشعر:
والله لو علمت روحي بما نطقت قامت على رأسها فضلا عن القدم
