يُعَدُّ السيّد عبدُ الملك القرنوبي من أعلام السالكين، ومناراتِ الطريق الروحي، وملاذًا لآلاف المريدين. كان شخصيةً أسطوريةً في عصره، ونجمًا ساطعًا في سماء التصوف.
وفي خِضَمِّ رحلاته الروحية، التقى الرفاعي بهذا الشيخ الجليل، فانجذب إليه منذ النظرة الأولى. فقد كان وجهه يفيض نورًا، وسَمْتُه ينشر صفاءً وسكينةً في محيطه. أمسك الرفاعي بيده، مُعبِّرًا بصمتٍ عن رغبته في أن يكون من تلامذته. ومنذ ذلك الحين، صار يزوره بين الحين والآخر، بل كان يحرص على لقائه مرةً كلّ عام، يعرض عليه مقاصده، ويستقي من مَعين علمه، ثم يلتمس منه الدعاء والوصايا قبل أن ينصرف.
وكان الشيخ عبد الملك يُقابل هذا الشغف بعنايةٍ وتوجيه. وفي إحدى زيارات الوداع قال له: يا أحمد، انتبه لما أقول: من يلتفت لا يصل، ومن يتردّد لا يفلح، ومن لا يعرف نقصه يضيع عمره.
كلماتٌ موجزة، لكنّها عميقة الدلالة. أدرك الرفاعي معناها، ومضى يحملها في قلبه عامًا كاملًا، يتأمّلها ويُعيد تشكيل ذاته على ضوئها. فالطريق إلى الله لا يحتمل التردّد، ولا يقبل الالتفات إلى الوراء.
ثم عاد بعد عام، وجلس طويلًا بين يدي شيخه، فلمّا أراد الانصراف قال: يا سيدي، أوصني. فقال له الشيخ: يا أحمد، لا شيء أسوأ من طبيبٍ يمرض، ولا من عاقلٍ يجهل، ولا من محبٍّ يخاصم. فكانت هذه الوصايا زادًا جديدًا، تعمّق في نفسه، وصارت معيارًا يُقوِّم به سلوكه ، فصار يحفظ علمَه بالعمل، ويصون عقلَه من الغفلة، ويحفظ روابطَ المحبة.
ومضى عامٌ ثالث، فعاد إليه مرةً أخرى، وبعد مجلسٍ طويل قال: يا سيدي، أوصني. فأجابه الشيخ هذه المرة: يا أحمد، لم يَعُد لك حاجةٌ إليّ، ولا إلى غيري من الخلق. قد استغنيتَ بالله، فلا ترجع إليّ إلا بعد وفاتي. ثم أخذ بيده، وأبرم معه عهدًا روحيًا، مُعلنًا اكتمال مرحلته في التلقي.
وهكذا، كان الشيخ عبد الملك يُمسك بيد الرفاعي، ويُدخله عالَم السلوك الحقيقي، حيث يبدأ الاعتماد على الله وحده. كانت تلك بداية الانطلاق نحو الآفاق العليا.
واصل الرفاعي مسيرته، حتى بلغ مقامًا رفيعًا في مدارج القرب، واقترب من مقامات الكُمَّل من الأولياء. وكان شعاره في الحياة قوله تعالى:فاستقم كما أُمرت؛ فاستقام ظاهرًا وباطنًا، حتى فُتحت له أبواب القرب، ونال مقامًا عظيمًا في عالم الولاية، وبقي فيه سنواتٍ طويلة، محلَّ إجلال الناس وتقديرهم.
ويروي أبو محمد الخوصي — وكان من أهل البصيرة — أنّه رأى الرفاعي يومًا يمرّ ومعه جمعٌ من أتباعه، فاستثقل ذلك في نفسه، وظنّه من مظاهر التصنّع. فلما نام تلك الليلة، رأى النبي ﷺ في المنام، وهو يُثني على أحمد الرفاعي، ويقول: إنه من أهل المعرفة، يهدي الناس بحاله قبل مقاله، من أحبّه فقد أحبني، ومن انتقده فقد انتقدني.
فاستيقظ الرجل نادمًا، ممتلئًا أسفًا على ظنّه. وفي الصباح، قصد الرفاعي معتذرًا، فوجده يستقبله ببشاشة. فقال له الرفاعي: إنّ حياتي هي رسالتي، لا مجرّد كلماتي.
