في يومٍ من الأيام، كان الشيخ الرفاعي يسير في طريقه، فإذا به يرى مجموعةً من الأطفال يلعبون. ولم تمضِ لحظات حتى تبدّل حالهم، واحتدم النزاع بينهم، فتحوّل اللعب إلى خصام.
لم يقف الرفاعي متفرّجًا، بل بادر إلى التدخّل، ففرّق بينهم، وأصلح ذات بينهم. وفي أثناء ذلك، سأل أحدَ الأطفال برفق: يا بُني، من أنت؟ فأجابه الطفل بجرأة: وما شأنك أنت بمعرفة ذلك؟ لم يُغضب هذا الجوابُ الشيخَ، بل تبسّم وقال: صدقت يا بُنيّ، لا شأن لي بذلك. جزاك الله خيرًا، فقد علّمتني أدبًا من آداب الحياة. أصلح الله شأنك.
كان الرفاعي مثالًا في التواضع؛ يجلس مع زوجته رابعة حين تقوم بأعمال البيت، ويعينها في طحن الحبوب وسائر شؤونها. وكانت زوجةً صالحةً ذات خُلق كريم.
وكان إذا اشترى السمك من السوق حمله بنفسه، لا يُكلّف أحدًا بذلك. وإذا وجد في طريقه حجرًا أو عائقًا، أزاله بيده، ولو كلّفه ذلك مشقة. فإذا انتهى، غسل يديه ومضى. وكان بعض تلامذته يستغربون ذلك، فيقول لهم: هذه كرامة ليَدِي؛ إنها تعمل للجنة.
كان يقبل الهدايا مهما صغرت، ولا يُحقّر من شأن مُهديها. وكان يكره أن يُقبّل الناس يدَه، فلا يُمكنهم من ذلك بسهولة. ولا يكلّف أحدًا من مرافقيه بقضاء حاجاته، بل يقضيها بنفسه. ولم يكن يُضيّع الفرائض ولا النوافل، وكانت مجالسه خالية من أحاديث الدنيا.
لا يجلس مستدبرًا القبلة، ولا يقوم ولا يقعد إلا وهو ذاكرٌ لله. وفي الرضا والغضب لا يقول إلا الحق. ولم يكن يشتكي أمره إلى الحكّام، بل يفوّض شأنه إلى الله. وكان يتفقد تلامذته؛ فإذا غاب أحدهم عن صلاة الجمعة أو الجماعة، سأل عنه، فإن كان مريضًا زاره، وإن كان محتاجًا أعانه.
كان كريمًا مع أصحابه، يُحبّ أن يُنفق عليهم، ويأكل معهم، ويحثّهم على الطعام قائلاً: أسرعوا في الأكل، فهذا من عملي، ثم ننصرف إلى ما هو أهم. وكان يُذكّرهم بنيّة الطعام: ليأكل كلٌّ منكم بنيّة التقوّي على طاعة الله، فإنّ الطعام يُعين على العبادة.
لم يكن يأكل المحترقَ من الطعام، ولا يملأ بطنه، ويقول: امتلاء البطن أصلُ كل داء. وكان يُنظّف صحنه، ويأكل ما بقي من الطعام، ويلتقط ما سقط على الأرض. ويستنكر على من يتكاسل عن غسل يديه بعد الطعام، ويعدّ ذلك من قلة الأدب.
وكان إذا أُعدّ في بيته طعام، أرسل منه نصيبًا إلى الجيران. وإذا رأى الخبز ملقىً على الأرض غضب، كما يغضب إذا رأى اسم الله مُهانًا. وكان يشرب الماء على ثلاث دفعات، اقتداءً بالسنة.
