كان هناك رجلٌ يستخفّ بالشيخ الرفاعي، وجعل من عادته أن يطوف في شوارع أمّ عَبِيدة وهو يطعن في الشيخ ويتحدّث عنه بسوء.
وفي يومٍ من الأيام، صادف بعضَ تلاميذ الشيخ، فأعطاهم رسالةً وقال: سلّموها لشيخكم. أخذ أحد التلاميذ الرسالةَ وسلّمها للشيخ. فتحها الشيخ، فإذا بها مليئة بعبارات السخرية والاستهزاء: كافر، منافق… ونحو ذلك من الألفاظ الجارحة.
قرأها كلّها، ثم قال بهدوءٍ دون أن يتغيّر حاله: كلّ ما قاله هذا الرجل عنّي صحيح. ثم أخرج بعض الدراهم من جيبه، وأعطاها للرسول الذي جاء بالرسالة، وقال: جزاك الله خيرًا، فقد كنت سببًا في أن أنال أجرًا عظيمًا.
ومضى الزمن، وبدأ ذلك الرجل يتعرّف أكثر على الشيخ، فتوقّف عن انتقاده. وأدرك أنه ارتكب خطأً كبيرًا. اشتدّ شوقه لرؤية الشيخ وطلب العفو منه. وذات يومٍ ما، قرّر أن يذهب إليه. توجّه إلى أمّ عَبِيدة، ولما اقترب، خلع عمامته وربطها حول خصره، وطلب من رفيقه أن يجرّه، كنوعٍ من إظهار الذلّ والانكسار.
فلما رآه الشيخ قال: يا صديقي، ما حاجة هذا كلّه؟ فأجابه الرجل باكيًا: نعم، هناك حاجة. جئت أطلب منك العفو، فاعفُ عنّي.
فقال الشيخ: لا حاجة للاعتذار، يا أخي، لقد أحسنتَ إليّ. اضطرب قلب الرجل، وقال: أريد أن أنضمّ إلى طريقك الروحي، وأن أكون من تلاميذك. فوافق الشيخ، وضمه إلى تلاميذه، وبقي معه حتى وفاته.
وكان الشيخ يقول: إذا أردتَ صفاء القلب، فلا تحمل في نفسك ضغينةً تجاه أحد، لا صديقٍ ولا عدوّ، ولا تجاه أيّ مخلوق. فإذا بلغتَ هذه المرحلة، حتى الحيوانات البرّية ستأنس بك، والطيور ستفرح بك في أعشاشها، ولن ينفر منك أحد. وستُكشف لك أسرار عظيمة.
وكان السيد أحمد الرفاعي يوما بين المريدين فقال لهم : إن كان فيكم من يعرف بي عيبا فيدلّني عليه، وكرّر هذا القول فلم يتكلّم أحد منهم، فقال الشيخ الفاروثي : ما في هؤلاء الجماعة من يعرف عيبك غيري. فقال له أحمد الرفاعي: جزاك الله خيرا، قل ما ذلك العيب حتى أنتهي عنه وأتركه ؟ فقال: عيبك أن مثلنا تلامذة مثلِك، فإن قبلنا الحقّ معك فليس معك عيب، وإن رددنا عليك فلك عيب. فبكى السيد أحمد الرفاعي والحاضرون جميعًا، وارتفع صوت البكاء، وبكى الشيخ معهم، وهو يقول: أنا لستُ إلا خادمًا لكم، ولست متميّزًا عنكم، بل أنا واحدٌ منكم.
