إنّ روحانية الشيوخ الربانيين تتجلّى في عباداتهم المتواصلة. وقد عمّر الشيخ أحمد الرفاعي حياته بالطاعات والالتزام. وكان أكثر ما يؤلمه هو ضياع الوقت؛ فكان يتنهّد قائلاً إنّ ما تبقى من العمر قليل. وقد وجد لذّته الخاصة في الصلاة.
وقد قال النبي ﷺ: جُعلت قرّة عيني في الصلاة. وهذا هو درب الصالحين. فإذا دخل وقت الصلاة، انصرف عن كلّ شأن دنيويّ. رُوي عن السيد الإمام أحمد الرفاعي رضي الله عنه أنّه طلب ماء ليشرب، فلما قُدّم إليه وقرّبه من شفتيه، ارتفع صوت الأذان، فوضع الكأس من يده وقال: لقد نودي لحق الله، فلا وقت الآن لقضاء حق الجسد، ثم قام إلى الصلاة وترك الماء بحاله.
وكان إذا وقف للصلاة يغمره خشوع شديد، حتّى يتغير لونه. وبعد صلاة الفجر يمكث في مكانه حتى طلوع الشمس، اغتنامًا للأجر العظيم الذي وُعد به من يفعل ذلك، ثم يصلّي صلاة الضحى قبل أن يغادر المسجد.
وكانت عيناه تفيضان بالدموع في أغلب الأوقات، لشدّة ما في قلبه من خشية الله. يطيل البكاء، ونادرًا مّا يُرى مبتسمًا، وكلّ ذلك من هيبة الله في قلبه. ومن أبياته:
والله لو علمت روحي بما علقت قامت على رأسها فضلاً عن القدم
وقال:
يا أيها المعدود أنفاسه لا بدّ يوما أن يتمّ العدد
لا بدّ من يوم بلا ليلة وليلةٍ تأتي بلا يوم غد
وقال:
عجبتُ لمن يقول:ذكرتُ ربّي وهل أنسى فأذكر مَن نسيتُ؟!
أموتُ إذا ذكرتُكَ ثم أحيا ولولا ماءُ وصلِك ما ححِييتُ
فأحيا بالمُنى وأموتُ شوقا فكم أحيا عليك وكم أموتُ
شربتُ الحبّ كأسا بعد كأس فما نفِدَ الشَّرَابُ ولا رَوِيتُ
وكان يعتزل الناس أحيانًا، لا يفرق بين ليل ونهار، مستغرقًا في العبادة أثناء خلوته. وكذا يداوم على قراءة آية الكرسي بعد كلّ صلاة مفروضة، ويكثرمن تلاوة سورة الفاتحة في أسفاره. ويحافظ دائمًا على الوضوء، ويوصي أصحابه بذلك. وإذا مرّ بمسجد في طريقه، دخله وصلى فيه. وإذا نزل ضيفًا عند أحد، صلّى ركعتين في بيته. وكان يحث تلاميذه على الإكثار من العبادات، ويقول: "عبادة الليل خير من تحصيل كثير من متاع الدنيا.
وكان يأمرهم بقيام الليل بعد منتصفه. وإذا رأى شابًا مقبلًا على العبادة، أمسكَ بيده وقبّلها، ويقول له: يا بنيّ، ادعُ لي، فأنت شابّ رجعتَ إلى الله. وإذا طلب منه أحد الدعاء، انزوى في مكان مظلم وقال: اللهم أصلح شأنهم، واهدهم، وألهمهم الخير، وامنحهم ذكرك، ويسّر لهم للتعلّم ما تحبّ، يا أرحم الراحمين.
وكان الرفاعي يسير على نهج النبي ﷺ وصحابته، راجيًا أن يكون من ورثة الأنبياء، الذين وصفهم النبي بقوله: اللهم ارحم خلفائي. فلما سُئل: من خلفاؤك؟ قال: الذين يحيون سنّتي، ويعملون بها، ويعلمونها عباد الله. وكانت هذه الغاية هي شغله الشاغل، وقد وُفِّق في تحقيقها إلى حدٍّ كبير.
