كان منصور – وهو أخو زوجة السيّد علي – من أهل الفتح والبصيرة، ممّن أكرمهم الله بالإلهامات الصادقة. وفي ليلةٍ من الليالي، رأى في منامه رؤيا عظيمة؛ إذ تجلّى له فيها رسول الله ﷺ، فقال له: يا منصور! بعد أربعين يومًا من اليوم، ستلد أختُك غلامًا، فسمِّه أحمد الرِّفَاعي، فإنّه سيكون سيّدًا من سادات أولياء الله. فإذا بلغ سنّ التعلّم، فادفعه إلى الشيخ عليّ الواسطي، ليُنشئه ويُربّيه، ولا تُهمل هذا الأمر؛ فإن الواسطي من المقرّبين عند الله.
فقال منصور في المنام: سمعًا وطاعةً يا رسول الله، وما إن قالها حتى انتبه من نومه فزعًا، وقد امتلأ قلبه هيبةً وانتظارًا. ومنذ تلك اللحظة، لم يهدأ له بال، وأخذ يترقّب ولادة ابن أخته، عازمًا على تنفيذ وصيّة النبي ﷺ كما سمعها في رؤياه.
وكان والد زوجة السيّد علي، الشيخ يحيى النجّار، أيضًا من أهل المعرفة، وقد وقع في قلبه إشراقٌ يدلّ على شأن هذا المولود المنتظر.
ومن الحوادث التي وقعت في تلك الفترة، أنّ السيّد عليًّا حصلت بينه وبين حمِيه يحيى النجار مسألةٌ أدّت إلى شيءٍ من الجفاء، فغادر المكان متوجّهًا إلى حرّان. وكان أهل حرّان يجلّونه يكرمونه، فاستقبلوه بالحفاوة، واجتمعوا حوله في مجلس علمٍ ومذاكرة.
وبينما هم كذلك، دخل وقت صلاة المغرب، فأرادوا أن يتقدّمهم إمامًا – إذ لم يكن يُقدَّم عليه أحد – فدخل المحراب، وكبّر للصلاة، غير أنّه ما إن بدأ القراءة حتى اضطرب لسانه، وكأنّ الآيات قد غابت عنه، فتنحّى إلى الخلف، وقدّم غيره لإتمام الصلاة.
فلما فرغوا، تعجّب الناس وسألوه: ما الذي أصابك؟ كأنّك قد أصابك شيء! فأخبرهم بما كان بينه وبين حميه، وقال: إنّ يحيى النجّار ممّن تُستجاب دعوته، ولعلّ في نفسه شيئًا انعكس عليّ. فاتّفق القوم على الذهاب إلى يحيى النجار لإصلاح ذات البين، فأتوه وتكلّموا معه في شأن السيّد عليّ، فلمّا سمع كلامهم لانَ قلبه، وقال: قد عفوتُ عنه، فإنّي أرجو أن يخرج من صلبه لؤلؤةٌ كريمة، ولو لا ذلك لرأيتم أثر غيرتي. فانتهى الأمر، وزال ما كان من الجفاء، وعادت العلاقة بينهما أوثق مما كانت.
ولم يلبث بعد ذلك أن وُلد المولود المبارك، أحمد الرِّفَاعي، غير أنّ والده أبا الحسن عليًّا لم يعش طويلًا بعد ولادته، فانتقل إلى رحمة الله، فصار الطفل يتيمًا من جهة الأب.
لكنّه لم يُترك وحيدًا، بل تكفّل به خالُه السيّد منصور، فقام على رعايته خير قيام، وأحاطه بعنايةٍ كاملة، فربّاه تربيةً صالحة، ووجّهه منذ صغره إلى معاني السلوك والروحانية، ولم يغفل عنه لحظةً واحدة.
وحين بلغ سنّ التعلّم، نفّذ منصور وصيّة النبي ﷺ، فسلّمه إلى الشيخ عليّ الواسطي، فاستقبله الشيخ بفرحٍ واعتنى به عنايةً عظيمة.
فأخذ يلقّنه القرآن الكريم وسائر العلوم، فظهر على الغلام نبوغٌ مبكّر، فكان يحفظ ما يُلقَّن بسرعة، ويؤدّي ما يُؤمر به بإتقان، مع حسن خلقٍ ولين جانب.
وكان يتفوّق على أقرانه، ويُظهر جدًّا واجتهادًا، حتى صار يسبقهم في حفظ الأجزاء، ويعرضها على شيخه قبل أوانها، فشبّ على الذكاء والجدّ، وأجمع من حوله على الثناء عليه.
