في أحد الأيام، جاءت جماعة من الناس إلى الشيخ الرفاعي، وكانوا قد حضروا بدافع سوء فهمٍ ما. انهالوا عليه بالسبّ والشتم: قالوا له يا أعور، يا دجّال، يا من يُحلّل الحرام، يا من حرّف القرآن، ، يا كلب… إلى آخر سيلٍ من الإهانات القاسية التي لا تُحتمل.
وكان بعض محبّي الشيخ حاضرين، فهمّوا بالردّ عليهم، لكن الشيخ منعهم. أمّا هو فلم يُبدِ أيّ ردّة فعل، بل ظلّ يستمع مبتسمًا، ثابتًا لا يتزعزع!
ثم التفت إليهم وقال: يا سادتي الكرام، سامحوني، وإن بدر منّي أيّ خطأ فاعفوا عنّي. ثم تقدّم نحوهم وأخذ يُقبّل أيديهم وأرجلهم، وهو يكرّر: اعفوا عنّي.
هدأت تلك الجماعة فجأة، وبدت عليهم الدهشة من هذا السلوك الغريب. فسألوه: كيف تستطيع أن تتحمّل كلّ هذا الشتم دون أن يتغيّر حالك؟ فأجابهم: أعتقد أن ذلك ببركتكم وفضلكم.
لم تقل الجماعة شيئا بعد ذلك، فانصرفوا. ثم التفت الشيخ إلى من حوله وقال: هذا كان خيرًا لنا. تلك الكلمات كانت تختنق في صدورهم، فلمّا أخرجوها ارتاحوا. ونحن أحقّ بسماع مثل هذه الكلمات من غيرنا. فلو قالوها لغيرنا، ربّما لم يتحمّلها، ولتحوّلت إلى شجار وخصام. وقد أنقذ هذا الموقف من الشيخ أرواحًا كثيرة، ونجّى كثيرين من الضرب والأذى.
مرة أخرى، وصل إلى الشيخ خبرٌسرّيّ بأن جماعةً تخطّط للاعتداء على رجلٍ فقير، ربّما يهاجمون عليه في منتصف هذا الليل، بسبب خطأٍ ارتكبه. فذهب الشيخ فورًا إلى ذلك الرجل وقال له: أريد أن تعيرني ثيابك هذه الليلة، وسأعطيك بدلًا منها ثيابًا أخرى.
لم يسأله الرجل كثيرًا، بل أعطاه ثيابه. فلبسها الشيخ، وذهب إلى المكان الذي اعتاد الرجل أن ينام فيه، واستلقى هناك متغطّيًا.
وفي الليل، جاء أولئك المعتدون، فظنّوا أنه الرجل نفسه، وانهالوا عليه ضربًا شديدًا. حتى إذا كشفوا وجهه، فوجئوا بأنه الشيخ الرفاعي، ذلك العالم الجليل!
أصيبوا بالذهول، لكن الشيخ قال بهدوء: لا تقلقوا، لقد نلتُ أجرًا عظيمًا بسبب ما فعلتم. يمكنكم أن تنصرفوا بسلام. اتركوا الظلم، وعِيشوا بالمحبة، واجعلوا التسامح منهجكم، فذلك هو التصوّف الحقيقي. وبينما كانوا يغادرون، قالوا: هذا هو الذي ينبغي أن نتعلّمه ونقتدي به.
