كان هناك عالم يُدعى إبراهيم البِسْتي، ولم يكن رجلًا سيئًا في ذاته، لكنه كان ينظر إلى الشيخ الرفاعي من بعيد فقط، ولم يحاول يومًا أن يتعرّف عليه عن قرب. ولهذا كان يظنّ أن الشيخ ربما يكون صاحب دعوى روحية زائفة.
مرّ زمن على ذلك، وفي يومٍ رأى البِسْتي بعض تلاميذ الرفاعي، فأعطاهم رسالةً ليُسلّموها للشيخ. أخذ أحد التلاميذ الرسالة وذهب بها إلى الشيخ، فأمره أن يفتحها ويقرأها.
فإذا بالرسالة مليئة بعبارات قاسية تُثير الغضب؛ أسلوبها شديد السوء، فيها سبابٌ واستهزاء، من قبيل يا أعور، يا مبتدع، يا من يجمع الرجال والنساء… بل وصل الأمر إلى أن كتب مثل كلب، وابن كلب! أسلوب لا يليق بعالم، بل أشبه بكلام العوامّ الجهال.
قرأ التلميذ إبراهيم الأعزب الرسالة عليه ، واستمع الشيخ إليها كاملة، قال السيد إبراهيم : أنا أقرأ المكتوب وفي خاطري أنّ السيد أحمد الرفاعي رضي الله تعالى عنه يغضب من هذا، وإن كان هو لم يغضب قط ،فلمّا قرأته إلى آخره قال: لا وأخذه الله. وقال لي: اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم من العبد أحمد الرفاعي اللاش إلى الشيخ المكرم المحتشم لا تُخلنا من دعائك وهمتك، أمّا قولك الذي ذكرته فإنّ الله تعالى خلقني لما شاء وأسكن في ما شاء، ثم قال: اكتب إليه شعرا :
ألا قلْ لمن بات لي حاسدا أتدري على من أسأتَ الأدب
أسأتَ الأدب على خالقي كأن لم ترض بما قد وهب
وكان جوابك أن زادني وسدّ عليك طريق الطلب
وأرسل إلى الشيخ البستي فلمّا وقف عليه بكى وقال: صدق السيّد، سدّ عليّ طريق الطلب. ظلّ واضعًا يده على رأسه طويلًا، ثم خرج يمشي لا يدري إلى أين، واختفى عن الناس ولم يُعرف له أثر بعد ذلك.
كان الشيخ الرفاعي يسعى دائمًا إلى تصغير نفسه، وكان إذا خرج إلى الناس يُسلّم حتى على الحيوانات؛ الغنم، والبقر، والكلاب… بل إنّه مرّ مرةً بخنزير فقال له: أنعم صباحا. تعجّب التلاميذ وسألوه: حتى الخنزير تُسلّم عليه؟! فابتسم وقال: إنما أدرّب نفسي على حسن الخلق.
نعم، كان يربّي نفسه على صفاء القلب، وعلى محبة جميع المخلوقات، وهو أمر لا يقدر عليه كثيرون، لكنه نجح فيه تمامًا.
ونقل أن واحدا من أهل أم عبِيدة هيأ طعاما ودعى السيد أحمد الرفاعي ، فأجابه إلى ذلك، فلما وصل إلى بابه قال له: ارجع، ثم جاءه ثانيا، فأجابه ، فلمّا وصل إلى بابه قال له أيضا: ارجع ، فرجع ثم جاءه ثالثا فدعاه ، فأجابه فأدخله الدار وفرش له وأجلسه ثم كشف رأسه ، وقال له: أي سيدي! أنا أستغفر الله تعالى ممّا جرى منّي ، فوالله ما رأيت أحدا على هذا الطريق الذي أنت سالكه، فاعف عنّي. فقال السيد أحمد الرفاعي : أي ولدي! ما كان إلا الخير، أي ولدي! تستكثر عليّ خصلة من خصال الكلب ثم خرج وهو راض. ( يعني فالكلب إذا دعوتَه بالطعام يأتي، وإذا طردته ينصرف ثم يكرّره ذلك وهو راض).
