في يوم جمعة، تهيأ الشيخ أحمد الرفاعي للخروج إلى صلاة الجمعة. وعندما أراد أن يلبس جلبابه، وجد قطة نائمة نومًا عميقًا عند طرف كُمِّه!
كان بإمكانه إيقاظها ولبس الجلباب، لكنّه رقّ لحال هذا الكائن الضعيف، ولم يُرِد أن يقطع عليها راحتها. فنادى زوجته رابعة وطلب منها مقصًا. لم تفهم السبب، لكنّها أحضرته. فأخذ المقصّ وقطع طرف الكمّ برفق دون أن يوقظ القطة، ثم لبس القميص وخرج إلى المسجد.
وبعد الصلاة عاد إلى بيته، وكانت القطة قد استيقظت ومضت في حال سبيلها. فوجد قطعة القماش على الأرض، فأخذها بهدوء وخاطها في ثوبه من جديد.
فلما رأت زوجتَه ذلك، قالت مستنكرة: لماذا كلّ هذا؟ أما كان يكفي أن توقظ القطّة وتلبس الجلباب؟
فأجابها: يا ابنة الرجل الصالح، هذا لن يجلبَ لي إلا الخير، فلا تلوميني، ففيه أجرٌ عظيم لنا. هكذا كان الرفاعي، قلبًا مملوءًا رحمةً بالكائنات.
ومما يُروى أيضًا أنه في يومٍ توضأ بماء بارد، ثم بقي واقفًا مادًّا يده دون أن يحرّكها. فلاحظ المؤذن ذلك، فجاء مسرعًا وقبّل يد الشيخ وسأله عمّا به. فقال له الرفاعي بشيء من العتاب: يا أبا يعقوب، ماذا صنعت؟ لقد أفزعت ذلك الكائن الضعيف! تعجب يعقوبُ، فلم يرَ شيئًا. فسأله عن قصده، فقال: كانت بعوضة تأخذ رزقها من يدي، فلما جئتَ طارت، وقد قطعتَ عنها رزقها!
وكان إذا لقي شيخًا كبيرًا في الطريق، يقف معه، ويُمسك بيده، ويسأله إلى أين يقصد، ثم يوصله إلى بيته، ويجمع أهله ويوصيهم ببرّ والديهم، ويذكرهم بقول النبي ﷺ: مَا أَكْرَم شَابٌّ شَيْخاً لِسِنِّهِ إِلاَّ قَيَّضَ اللَّه لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْد سِنِّه ( رواه الترمذي).
كان الإمام أحمد الرفاعي الكبير رضي الله عنه متواضعًا في نفسه خافضًا جناحه لإخوانه غير مترفع وغير متكبر عليهم، وروي عنه أنه قال: سلكت كل الطرق الموصلة فما رأيت أقرب ولا أسهل ولا أصلح من الافتقار والذل والانكسار». فقيل له: يا سيدي فكيف يكون. قال: تعظم أمر الله، وتشفق على خلق الله وتقتدي بسنة سيدك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان رضي الله عنه يخدم نفسه، ويخصف نعله، ويجمع الحطب بنفسه ويشده بحبل ويحمله إلى بيوت الأرامل والمساكين واصحاب الحاجات، ويقضي حاجات المحتاجين ويقدم للعميان نعالهم ويقودهم إذا لقي منهم أناسًا إلى محل مطلوبهم، وكان رضي الله عنه يمشي إلى المجذومين والزمنى ويغسل ثيابهم ويحمل لهم الطعام، ويأكل معهم ويجالسهم ويسألهم الدعاء، وكان يعود المرضى وإذا سمع بمـريض في قريـة ولـو على بعـد يمضي إليه ويعوده. وكان شفيقًا على خلق الله يرأف باليتيم. ويبكي لحال الفقراء ويفرح لفرحهم، وكان يتواضع كل التواضع للفقراء.لقد كان دافعه في كلّ ذلك هو الاقتداء بسيرة النبي ﷺ، الذي قال: من فرّج عن مسلم كربة، فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة.
