في إحدى الليالي، نشب شجارٌ شديد بين رجلين، واستمر النزاع بينهما حتى وقتٍ متأخر من الليل. كان الخلاف متعلقًا بدَينٍ أو أمرٍ مالي، وكلاهما من الفقراء، ويقيمان في محيط مدرسة أحمد الرفاعي، وقد سلكا طريق التزكية والإصلاح.
اشتدّ الشجار، وفجأة مرّ أحمد الرفاعي بالمكان. وبطبيعة الحال، ما إن رأياه حتى توقّفا عن الخصام، وتفرّق كلٌّ منهما إلى مكانه. أدرك الرّفاعي ما يجري، وسرّه أنّ وجوده أوقف النزاع ولو مؤقتًا، إذ كان يكره الشقاق أشدّ الكراهية.
فكّر قائلاً: سأبقى هنا حتى الصباح، لئلا يعودا إلى الشجار. فجلس مستقبلًا القبلة حتى وقت السَّحَر. وعند اقتراب وقت السَّحَر، قام أحد الرجلين ليتوضأ، وفي تلك اللحظة كان الرّفاعي قد توضأ أيضًا وابتعد قليلًا ليقف. وكان الرفاعي واقفا قريبًا من موضع الرجل المخاصم ، فظنّ هذا القائم أنّه خصمه الآخر. فهاج ما في صدره من حقدٍ مكبوت، وانقضّ عليه، وضربه بعنف، وأسقطه أرضًا، وجلس على صدره، وانهال عليه ضربًا بيديه ورجليه، بل ورفعه ثم طرحه إلى الأرض بقوة.
تحمّل الرفاعي كلّ ذلك في صمتٍ تامّ؛ لم يردّ، ولم يُبدِ انزعاجًا، ولم يقل إنّ الرجل أخطأ في الشخص، حتى أوشك أن يُغشى عليه. ثم انتهى المعتدي من ضربه.
وفي تلك اللحظة جاء الخصم الحقيقيّ، فظنّ الضاربُ أن القادمَ هوالسيد الرفاعي، فسلّم عليه، لكن الصوت الذي ردّ عليه كان صوت خصمِه، لا صوت الرفاعي! عندها أدرك الحقيقة: لقد كان يضرب الشيخ نفسه! ما إن فهم ذلك حتى فقد وعيه من شدّة الصدمة.
تدخّل الرفاعي فورًا، فرشّ الماء على وجهه، ورفع رأسه عن الأرض، وقال له: يا ولدي، لا تحزن، فما فعلتَه لن يجلب لي إلا الأجر، وأسأل الله أن يكتب لك الخير.
حاول الشيخ تهدئته، لكن الرجل لم يستطع أن يهدأ، إذ كيف يطمئن وقد اعتدى على شيخٍ جليل! فخلع عمامته، وأخذ يتقلّب على الأرض ندمًا وحسرة.
فقال له الرفاعي مرة أخرى: يا ولدي، لقد جلبتَ لي خيرًا، فلا تحزن. فقال الرجل: يا سيدي، أستغفر الله وأطلب عفوك. فأجابه: غفر الله لي ولك، لقد دعوتُ لك بالمغفرة منذ اللحظة التي ضربتني فيها.
حاول الرجل أن يهدأ، لكن الندم كان أشدّ من أن يُحتمل، ولم يمضِ عليه زمنٌ طويل حتى توفّي، متأثرًا بما حدث. حزن الرفاعي عليه حزنًا شديدًا، وشارك بنفسه في تغسيله وتكفينه، وصلّى عليه، وتولّى دفنه.
وكان يحيط بالرفاعي في كل وقت جمعٌ كبير من الناس، من مريديه وأتباع طريقته، والمرتبطين بها، وقد عُرفت جماعته بأسماء مثل: الأحمدية، والرفاعية، والبَطائحية. وكانوا يتمتعون بروحٍ عالية من التضحية، وقد تكفّل الرفاعي بإطعامهم وسقيهم، ويُروى أن عددهم بلغ ما يزيد على مئة ألف شخص.
وضمّت هذه الجماعة علماء وعامة الناس، وحكّامًا، وكبار أهل التصوف، وكان الرفاعي يعاملهم جميعًا بإجلال، ويوفّر لهم حاجاتهم من ماله الخاص. لقد كان الذي يقود حياة أحمد الرفاعي هو الحب والخدمة لا غير.
