لمّا تقدّم الإمام الرِّفَاعي في تعلّم القرآن الكريم تقدّمًا عظيمًا، انتقل بعد ذلك إلى دراسة علم الحديث – وهو علمُ سنّة النبي ﷺ – كما أقبل على علم الفقه، الذي تُبنى عليه أحكام الحياة الإسلامية وتطبيقاتها. ولم يقتصر على ذلك، بل توسّع في سائر العلوم والمعارف.
وقد اختار – في الغالب – المذهبَ الشافعي طريقًا له في الفقه، فدرس كتبَه المعتمدة، وكان من أهمّ ما اعتنى به كتاب التنبيه لأبي اسحاق الشيرازي ، فدرسه دراسةً دقيقةً قائمةً على التحقيق والنظر. وجاب في طلب العلم، متنقّلًا بين العلماء، حتى عاش حياةَ الطالب الحقيقي، بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
وإنّ العلم لا يكتمل إلا بأمرين: الأول، العمل بما عُلِم. والثاني، حفظ حرمة الشيوخ وتعظيمهم.وقد جمع الرِّفَاعي بين الأمرين، فكان مثالًا يُحتذى في كليهما.
وكان شديد التعلّق بشيخه ابن القارئ، الذي أولاه عنايةً خاصة، وقرّبه منه في كلّ مجلس، بل كان يُدخله معه في مجالس كبار العارفين، لما رأى فيه من أمارات المستقبل الزاهر.
ومن شدّة تواضعه وخدمته لشيخه، أنّه كان يتولّى حفظ نعليه، ويجعلها قريبةً منه حيثما جلس. وفي أحد المجالس العلمية، اجتمع عددٌ من أهل المعرفة، وكان الشيخ ابن القارئ حاضرًا ومعه تلميذه أحمد الرِّفَاعي، الذي جلس صامتًا مراقبًا. وكان من جملة مهامّه في ذلك المجلس أن يحفظ نعال الحاضرين، وقد جعل نعل شيخه قريبًا من متناوله. وبعد الفراغ من الطعام، جلس القوم للاستراحة، فقام أحدهم ينشد شعرًا ذا معانٍ روحية، فأُعجب الحاضرون، وانجذب بعضهم إلى الإنشاد، حتى أخذوا يردّدون معه، وربما تحرّكوا طربًا.
وبينما المجلس على هذه الحال، إذا بالرِّفَاعي ينهض فجأة، وينقضّ على المنشد، فيأخذ منه الدفّ ويكسره! فاضطرب المجلس، واستنكر الحاضرون ما حدث، وقالوا: ما هذا الذي يفعله هذا الغلام؟! ومن الذي أدخله هذا المجلس؟
فلما علموا أنّ الذي جاء به هو الشيخ ابن القارئ، توجّهوا إليه باللوم، وقالوا: عليك أن تبيّن سبب هذا التصرّف!. فقال الشيخ بهدوءٍ وثبات: لا بدّ أنّ له في ذلك سببًا، فاسألوه، ليُبيّن لكم. فتوجّهوا إلى أحمد الرِّفَاعي، وسألوه عن فعله، فقال: إنّ هذا الرجل قد أساء الأدب مع الشيوخ، وقلبُه ليس على حالٍ مستقيم، ويُعرف ذلك من نظره وهيئته.
فالتفتوا إلى المنشد وسألوه: ما تقول في هذا الكلام؟ فأقرّ الرجل وقال: صدَق هذا الغلام، فقد خطر في نفسي خاطرٌ سيّئ؛ إذ رأيتُ بالأمس مجلسًا فيه قومٌ يلهون ويطربون على حالٍ من الغفلة، فلمّا رأيتُ هذا المجلس خطر ببالي: أليس هذا مثل ذاك؟! ولم يكد هذا الخاطر يزول حتى قام هذا الغلام وفعل ما فعل.
فلما سمع القوم ذلك، قاموا جميعًا، وأقبلوا على الرِّفَاعي يقبّلونه ويعانقونه، إعجابًا ببصيرته وصفاء سريرته. وأمّا شيخه ابن القارئ، فغمره الفرح، إذ وجد في هذا الموقف جوابًا واضحًا لمن كان يتساءل عن سرّ عنايته بهذا الغلام.
ومع تقدّم الأيام، أخذ الإمام الرِّفَاعي يلقى العلماء والعارفين، ويشدّ الرحال إليهم؛ تارةً لطلب العلم، وتارةً للتبرّك بلقائهم. وكان يقف بين أيديهم في غاية الأدب والتواضع، يتلقّى عنهم أنوار المعرفة، ويستفيد من تجاربهم، ثم ينقل فضلهم إلى الناس، ويُعرّف بهم، ويغرس محبتهم في القلوب.
فكلّ شيخٍ لقيه ترك في نفسه أثرًا، وكلّ مجلسٍ حضره زاده نورًا، حتى أخذ ينمو نموًّا عجيبًا، علمًا وروحًا، يومًا بعد يوم، كأنّه يرتقي في مدارج الكمال درجةً بعد درجة.
