فوضى عارمة وسط جمع من الناس، وحين اقترب تبيّن أن هناك دفعًا وتدافعًا، عراكًا وتشابكًا، وصراعًا بين مجموعات متفرقة. وعندما فُرّق الجمع وبدأ الاستجواب، لم يعرف أحد من بدأ الشجار، ولا متى ولا لماذا. وبعد سلسلة من الأسئلة، وُجه الكلام إلى أحدهم فقال: ""إنما ضربت لأنهم اعتدوا عليّ أولًا؟" فسُئل: "من ضربك؟ ومتى؟ ولماذا؟" فلم يجد جوابًا. بينما أكّد من حوله بكل حزم أن لا أحد اعتدى عليه. يا لها من فوضى عجيبة!.
هذه الحالة تشبه ما نواجهه عند محاولة الوصول إلى أصل الكون وبداية الخلق؛ فالكثيرون يستطيعون سرد ما حدث بعد البداية بتفصيل دقيق، ولكن عند السؤال عن الأصل الحقيقي للبداية، يتجهون سريعًا إلى نظرية الانفجار العظيم، مدّعين أن الكون نشأ قبل 13.8 مليار سنة نتيجة انفجار هائل. لكنهم لا يجيبون عن ما قبل ذلك، وإذا ما وُجهت إليهم الأسئلة الصحيحة، سرعان ما تتكشّف الثغرات: من أين جاءت المادة الأولى؟ ممّ تكوّنت؟ ما عناصرها؟ من أوجدها؟ ومن جمعها؟ وكيف وصلت إلى موضعها؟ ومتى؟ ومن أين؟ وإن كان عمر الكون 13.8 مليار سنة، فماذا عن المليارات التي سبقتها؟ هل كانت المادة موجودة أصلًا أم لا؟
وإن كانت موجودة، فلماذا بدأ كل شيء تحديدًا قبل 13.8 مليار سنة؟ لماذا ليس قبل 48.3 مليار سنة؟ أو بعد 6.4 مليار سنة؟ ما الحكمة في هذا التوقيت؟ ومن الذي قرّر أن تكون البداية في تلك اللحظة بالذات؟ ومن هي "اللجنة" التي اتخذت هذا القرار؟ وما الذي كان على جدول أعمالها أيضًا؟.
من الممتع الاستماع إلى تلك الرواية السهلة التي تزعم أن صخرة صمّاء تحوّلت بمرور الزمن إلى عالم نابض بالحياة والوعي، وأن الحياة نشأت منها، وتكوّنت من شقوقها اللحوم والدماء، والحب والشهوة، والغضب والعقل والإدراك! أكلّ ذلك حدث من تلقاء نفسه؟ هل يعقل أن تستوعب عقولنا هذا التفسير الساذج، أم أن وراءه مخططًا أوليًا دقيقًا ومنظمًا قائمًا على منطق وتدبير محكم؟ أكلّ ما نراه من حياة نتيجة طفرات عشوائية امتدت لملايين السنين، أم أن هناك مبدأ تصميم عميق ينسج خلف الستار؟ ومن هو ذلك العالِم الذي اكتشف في أعماق تلك الصخرة الأولى شيفرة الجينوم والـDNA؟
فتنوّع الكائنات الحيّة المدهش، وجمال الأزهار المتفتّحة الأخّاذ، يثير فينا الدهشة والحيرة. من السهل أن نصف كل ذلك بأنه ناتج عن التطور أو محض صدفة، لكن هل يمكن أن يكون هذا الجمال البديع مجرّد نتاج عرضي لعملية تطورية؟ أم أن وراءه وجودًا أسمى، نسج كل شيء بإبداع وحكمة دقيقة؟ هل هناك حضور مقصود يقف خلف هذا الإتقان... أم لا؟
وفي سعيه المستمر للمعرفة، يواصل الإنسان رحلته لتقصّي الإجابات، متجاوزًا حدود الإدراك المعتاد. ومع كل ما وصل إليه من تطوّر في أدوات الرصد والتلسكوبات، يبقى السؤال قائمًا: هل تغوص قصة النشأة التي نردّدها أكثر في الغموض؟ هل هناك مصمّم عظيم، مهندس كوني خفي، يقف وراء هذا النظام الدقيق؟ أم أن الكون مجرّد نتاج لسلسلة من الأحداث العشوائية في عالم خالٍ من الحياة والوعي؟
ما الذي جعل هذا المسار التطوري يفضي إلى ظهور الحياة، ومنها العقل والإدراك والوعي؟ أليس ذلك تحديدًا ما أفضى إلى نشوء التفكير والتساؤل والنقد والتأمل؟ أما كان من الممكن أن تنتهي مراحل تطوّر الكون عند البحار والغابات، والجبال والتلال، والتربة والحفر؟ ولو كان الأمر كذلك، ألم نكن لنسلم من كل هذه الأسئلة والتعقيدات الفكرية؟ وإن كان لا بد أن تتحوّل تلك الصخرة الجامدة إلى كائن حي، أفلم يكن يكفي أن تكون بقرة أو حمارًا أو تمساحًا أو سلحفاة أو خنفساء؟
من الذي دعا تلك الصخرة القاسية الميتة أن تتحوّل إلى عقل، ووعي، ومنطق، وسؤال؟ من الذي منحها الإذن بذلك أصلًا؟ أليست هي ذاتها المادة الحمقاء، الغبية، التي بدأت تتصرّف وكأنها القائد الآن؟ هل رأيت بقرة تصنع قنبلة؟ هل تقدر الحمير أن تشحذ سيوفًا وتقاتل؟
لا تعبد السؤال المزروع في تربة الرفض، فالسؤال ليس غاية بحد ذاته، بل جسر يُفضي إلى النور والفهم. الأسئلة الصادقة تقود إلى البصيرة، أما تلك التي وُضعت لخداع العقول ودفعها إلى هاوية الإجابات المعلبة، فهي مجرد فخاخ فكرية. وإذا استسلمنا لها، فلن نبرح مستنقع النفي والتمرّد، بل سنظل ندور في حلقة مظلمة تمنعنا من إدراك عظمة الغاية التي لأجلها وُجدنا، وتحرمنا من التحليق نحو أفق المعنى واليقين



