رغم محاولاتي المتكررة للإقناع بخطأ ذلك، وهو لا يقتنع، بل يتمسك برأيه دون أي تراجع ولا يزال يدعي إن حاصل جمع الواحد والثلاثة ونصف هو ثمانية إلا ربع. هل من سبيل لشرح كيف يمكن أن يكون الناتج "ثمانية إلا ربع"؟!
ها هو صديقي العزيز... إن خالفته، قد تنكسر هذه الصداقة الجميلة. فماذا أفعل؟ هل يُعقل لمن يملك ذرة عقل أن يقول عن أمر متأكد بنسبة مئة بالمئة أنه خطأ، إنه صواب، فقط لإرضائه؟ أقصى ما يمكننا هو أن نُقدّر إنسانيته، ونستمر في صداقتنا معه. فإذا أصيب بالحمى، نعطيه الباراسيتامول، وإذا تقيأ، نربّت على ظهره، وإذا جاء من يؤذيه بسبب ما قال، نقف إلى جانبه ونحميه. لكن لا يجوز أبدًا أن نقول إن ما قاله صحيح، أو نبرره على أنه أيضا يحتمل الصواب، لأن الحقيقة لا تتغير، وما قاله ليس بصحيح قط.
الأشياء تبقى أشياء، والحقائق تظل حقائق، أما رؤى الناس ومعتقداتهم، فهي مختلفة، ولها أسبابها وظروفها وهذا أمر طبيعي. لكن اختلاف الرأي لا يعني بالضرورة تساوي الصواب، وكما لا يمكننا جمع كل هذه الاختلافات في قالب واحد، لا يمكننا أيضًا اعتبارها جميعًا صحيحة. فإن رفعنا راية الصواب لمن يقول إن حاصله "ثمانية إلا ربع"، سيأتي من يقول: "ثمانية إلا ثلث"، وبعده من يدّعي: "ثلاثمئة وثمانية عشر إلا نصفًا". وهكذا يصبح الباب مفتوحًا لكل وهم، وكل ادعاء. وإذا بدأنا نُرضي الجميع باسم التعدد، تنتهي الحقيقة. لا يجوز هذا، فالحقيقة يجب أن تُحمى، وتظل حيّة.
كيف تختلف الرؤى والمعتقدات؟ لها أسباب متعددة، وتتباين بتنوع تجارب الإنسان وظروفه. ومن المثير حقًا أن نمرّ عبر هذه الاختلافات في المعتقدات ونحاول فهمها وندرك الحق حقاً.
انظر... الأشياء تظل مرتبطة بالأرض، ونأكد أن ذلك بسبب قوة الجاذبية الأرضية، وهي حقيقة علمية مؤكدة. لكن إذا ادعى أحد برأي مخالف، ويقول إن الأرض لا تجذب الأشياء بل إن الشمس تدفعها للأسفل، (Solar Degravity). فماذا نفعل إذا تمسك شخص بهذا الرأي رغم وضوح الأدلة؟
أسأل لمن حولي: كيف أصِل إلى كوخ كبير القرية من هنا؟
قال أحد: امش جنوبًا مسافة كيلومتر واحد فحسب.
وقال آخر: لا، بل غربًا مسافة كيلومترين ونصف.
وتدخل ثالث قائلاً: بل شمالًا، ثلاثة أرباع الكيلومتر.
وجاء رابع فزاحمهم وقال: دعك من هذا كله، خذ سيارة وانطلق شرقًا، فالمسافة سبعة كيلومترات وربع.
أنا غريب، لا أعرف القرية، ولا الغابة، ولا الطريق.
لكن لا بد لي من بلوغ كوخ كبير القرية.
فمن أُصَدِّق؟ وهل أستطيع أن أركض في الجهات الأربع معًا، حتى لا أغضب أحدًا؟
إن أراك أحدهم صرصورًا وقال إنه قطة، أو كتب حرف D وأصرّ أنه W، أو زعم أن عاصمة بنغلاديش هي بنغالور، أو أن والد زوجة بوذا هو أيسقنيوتن، واعتقد بذلك جازمًا وجادلك فيه، فماذا تفعل؟
مهما ناقشته فلن يقتنع، ولن يتراجع عن وهمه.
لكن هل يعني ذلك أن تُسايره في الخطأ، وتسلّم بأن ما يقوله صحيح؟
ليس كل اختلاف يُحترم، وليس كل رأي يصحّ أن يُقبل.
الادعاء بأن "جميع الآراء صحيحة" يحمل في طيّاته تناقضًا ذاتيًّا، (Self refuting). فإن زُعم أن كل الآراء صحيحة، لزم أن يكون الرأي القائل بأن "ليست كل الآراء صحيحة" صحيحًا. لأنه رأي آخر.
وهكذا يُفني القول نفسه، ويهدم أساسه بيده.
فكيف يصحّ أن نُسلّم بدعوى تنقض ذاتها؟ ألا تفكر...!
خلاصة كلامنا.
هناك بعض الاخوة الطيبين يعتقدون أن جميع الأديان والمعتقدات صحيحة، وهي فكرة تُعرف بـ"صحة جميع الأديان".
وعلى الرغم من أن هذا الرأي يبدو في ظاهره مسالمًا، ويدعو إلى عدم كراهية أحد أو معاداته، إلا أنه من الواجب أن نتأمل: هل يمكن أن يكون هذا صحيحًا منطقيًا أو عمليًا؟. خصوصًا أن الإيمان ليس شيئًا ثانويًا أو شكليًا، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه حياة الإنسان.
أليس وجودنا في هذا العالم بحثًا عن الحقيقة المطلقة التي تقوم عليها حياتنا، فنؤمن بها ونتوجه إليها؟ فإذا كان جوهر الإيمان هو السعي نحو هذه الحقيقة، فكيف نقول إن العقائد المتناقضة جميعها صحيحة؟
وكيف يُجمع بين التوحيد الذي يقر بأن الله واحد لا شريك له، والتثليث الذي يقول بثلاثة أقانيم، وتعدد الآلهة أو عبادة البشر؟ هل تتساوى العقائد التي تنقض بعضها بعضًا، ثم يُقال إن كل طريق منها يقود إلى ذات الحق؟.
ها هو هذا تناقض لا يصمد أمام العقل.
التسامح مع أتباع الأديان الأخرى لا يعني الاعتقاد بصحة كل المعتقدات على قدم المساواة.
الله "الرحمن" يرزق الجميع، حتى من يجحدونه، ويُنعِم على الخلق جميعًا رغم ضلالهم واختلافهم.
فكما يُحسن الله إلى الخلق رغم انحرافهم، يليق بنا أن نُحسن إلى الناس جميعًا، دون أن نساوي بين التوحيد والشرك، أو بين الحق والباطل.
فالقول بـ"صحة كل الأديان" تناقضٌ مع العقل، بينما أن "التعايش بين الأديان" هو خُلق حسن وأمرٌ مشروع.
رغم اختلافنا في العقيدة، يمكن أن نعيش في الأخلاق، والرحمة، والعيش الكريم. ما أجمل قول الله ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.



