الأمر المهم هنا أن النبي محمدًا ﷺ لم يكن عالِمًا قضى عشرين عامًا في التاريخ، ولا باحثًا أمضى مثلها في مختبرات العلوم، ولا مستشرفًا للغيب أرهق عمره في قراءة المستقبل. لم يعرف أنابيب الاختبار(Test tubes)، ولا الميكروسكوب (microscope)، ولا التلسكوب (telescope). كل ما عرفه كان حياةً بسيطة بين قوافل خديجة رضي الله عنها، وماعز حليمة السعدية، وأسواق مكة القديمة.
وعندما ضاق صدره من فساد المجتمع المحيط به، اعتاد أن يعتزل ويصعد إلى الجبل، يمضي الساعات وحيدًا. وفجأة، عند الأربعين من عمره، انطلقت من بين يديه كلماتٌ تبدأ بـ "اقرأ" فانبثق معها نبعٌ أدبيّ عجيب. أذهل هذا الوحي أعلام البلاغة وفحول البيان من العرب، إذ لم يعرفوا عنه ﷺ شعرًا ولا خطابة، لكنه خرج إليهم بكلامٍ يتجاوز بديع صناعاتهم، أسلوبه ساحر، ومعانيه مهيبة. .فرح الناس يصغون إليه مأخوذين، وتتسرب كلماته إلى قلوبهم بلا استئذان.
هنا تتجلى خارقية القرآن، كما في مضمونه، كذلك – أو أشد – في جمال لغته وبلاغته وعمق معانيه المخبأة بين سطوره.
فما أشرنا إليه من الموضوعات التي تناولها القرآن الكريم، كالتاريخ والغيب والعلم والنبوءة يقتصر فقط على بعض الآيات والسور. لكن فإن إعجازه البياني وبلاغته الساحرة لا تقتصر على هذه المواطن، بل تفيض على كل لفظ وآية منه. كثيرون لم يدركوا هذا الجمال لأنهم لم يقرأوا القرآن بلغته الأصلية، بل من خلال الترجمات. وكما لا تُقارن حديقة مرسومة على ورق بحديقة حقيقية تنبض بالحياة، فكذلك الترجمة لا تعكس جمال النص العربي الأصيل. وجمال القرآن لا يقتصر على اللغة فقط، بل في بنائه أيضًا، فهو يحمل من الدقة والجلال ما يجعل الباحث يقف مبهورًا أمام نظمه وإعجازه.
ثم انطلق التحدي القرآني، موجَّهًا إلى من؟ إلى أولئك المتمكنين من ناصية البيان، سادة الشعر والفصاحة، فتصدّى له كثيرون منهم، لكنهم تراجعوا عاجزين، فلم يبلغوا منه مأربًا.
وهذا التحدي لا يزال قائمًا، ممتدًا إلينا نحن اليوم، إليك أنت أيضًا، أيها القارئ الكريم. تحدٍّ لا يقتصر على روعة الأسلوب وجلال البلاغة، بل يشمل ما تضمّنه القرآن من حقائق كونية ووقائع تاريخية ومعارف غيبية. فهل يمكن دحض شيء منها؟ وهل بإمكان أعظم الأدباء، ولو اجتمعوا كلهم، أن يأتوا بمثل هذا الكتاب؟
لا يقدّم القرآن إلا توجيهات سامية يمكن لكل مجتمع راقٍ أن يطبقها عمليًا بكل يُسر وبهاء. يدعو إلى توقير الكبار، والعطف على الصغار، وبرّ الوالدين وصونهم، وتربية الأبناء بحنان، ومواساة الفقراء، وكفالة الأيتام، وبناء علاقة زوجية يسودها المودة، واحترام الجيران، وإكرام الضيف، والتمسك بالصدق، والتواضع، والسعي في طلب العلم، والتفكر في آيات الكون، والاعتبار بالتاريخ وآثاره. كلها مبادئ لا يرفضها إلا من تجرد من إنسانيته أو طُمست بصيرته.
فيا صديقي، إن كنت صادق النية، محبًّا للحق، فهل ترى في شيء من هذه المبادئ التي يحث عليها القرآن ما يُستنكر أو يُرد؟
ومثلما يدعو القرآن إلى مكارم الأخلاق، فإنه أيضًا ينهى عن أمور لا يختلف العقلاء في قبحها وضررها، ومنها: الزنا، وشرب الخمر، والكذب، والافتراء، والسخرية، والهمز واللمز، وإيذاء الآخرين، والاعتداء، والقتل بغير حق، والتجسس، وسوء الظن، وشهادة الزور، والمقامرة، وأخذ الربا أو دفعه، والغش في التجارة، ورمي الأبرياء بالفاحشة دون بينة، والخيانة، والخداع…
كل هذه أمور يرفضها الضمير الإنساني والمجتمعات السويّة على حد سواء. فهل يا صديقي الصادق، ترى في شيء من هذه النواهي ما يستحق الاعتراض؟
حين يُقدَّم كتاب بهذا المستوى من البيان والروعة إلى الناس، يصرّح النبي محمد ﷺ قائلاً: "ليس هذا من تأليفي، فأنا لا أقرأ ولا أكتب، بل هو وحي من ربّ العالمين." إنه ليس مجموعة من القصص أو الطرائف، بل عرض صادق لحقيقة الحياة، لا يحتوي إلا على ما يمكن لكلّ صاحب عقل منصف أن يتأمله ويميّز فيه بين الحق والباطل.
وما يزيد هذا الكتاب عجبًا أنه لم يُغفل جانبًا من جوانب الحياة؛ فقد تناول الشأن الاجتماعي والاقتصاد والسياسة والزواج والطلاق وتربية الأبناء، وتحدث عن الجبال والنجوم والشمس والفصول والحيوانات والحشرات والنباتات، كما عرض قضايا التجارة والعقود، وتطرق إلى مشاعر الإنسان وسلوكياته، والقراءة والكتابة والتاريخ والبحث، والموت وما بعده، واليوم الآخر، والجنة والنار، والزلازل والفيضانات والرياح، والرعاية الاجتماعية، والبحار والأنهار، والمعادن، والتوازن الاقتصادي، ورفض الشرك والدعوة إلى التوحيد... إنه كتاب فريد في شموليته، مبهر في تنوعه.
في بيئة خلت من نظم التعليم، وبين قوم عُرفوا بفصاحتهم وبلاغتهم، لم يكن لمحمد ﷺ حظ من قراءة أو كتابة، ولا معرفة بعلوم الأدب أو الفلسفة. ومع ذلك، في سن الأربعين، بدأ يتلو على مسامعهم آياتٍ تُدهش أرباب البيان، وتفوق ما عُهد من روائع الكلام. كلمات تحمل في طيّاتها معاني سامية، وموضوعات دقيقة وعميقة، تتناول شؤون الإنسان والكون والحياة، يمكن للعقل المتأمل أن يفككها بندًا بندًا ما وردت في القرآن الكريم الذي قدّمه ﷺ للعالمين.
ففي مجتمع تسوده الرذائل وتغلب عليه الجاهلية، عاش محمد ﷺ أربعين عامًا دون أن يتذوّق قطرة خمر، أو ينظر إلى امرأة نظرة ريبة، أو يؤذي مخلوقًا مهما صغر، أو ينطق بكذبة ولو على سبيل المزاح. فهل يُعقل أن هذا الرجل الأمين، "الصادق الأمين"، يبدأ فجأة بالكذب على الله؟! هذا ليس مقبولًا لدى أي عقل نزيه، بل هو دعوة صريحة لكل عقل حيّ أن يتأمل ويدقّق ويتفكر.
هذا الكتاب الذي اكتمل نزوله في ثلاث وعشرين سنة، هل استطاع أحد أن يجد فيه أي تناقض؟ هل استطاع أي باحث أن يثبت فيه خطأً واحدًا، في التاريخ، وفي العلم، وفي التشريع؟ إن كان ثمة من يزعم أن محمدًا ﷺ هو مؤلف هذا الكتاب، فليأتِ بمثله، أو على الأقل بسورة واحدة منه. فإن لم يستطيعوا – ولن يستطيعوا – فالأجدر بهم أن يتفكروا في معانيه، ويعملوا بما فيه، ليبلغوا الفلاح الأبدي.



