تخيّل أنك صاحب شركة وتبحث عن مدير، فجاءك اثنان للمقابلة: صديقان مقرّبان، درسا في كلية واحدة، ويحملان نفس المؤهل، ومستواهما متقارب. بعد المقابلة، اخترت أحدهما. فغضب الآخر، وبدأ بالصراخ، والشتائم، وهدّد بتخريب الشركة وجلب من يعينونه على ذلك.
ما شأنه؟ المال مالك، وأنت من أسست الشركة، واستثمرت فيها، ولك الحق في اختيار من تشاء. فلماذا هو يغضب؟ وبأي حق يعترض على قرارك؟ ثم، لو لم تعيّن أحدهما، هل كان لأيّ منهما أن يُجبرك على تعيينه؟
بهذا هل وجدت طريقك نحو الإجابة؟ ربما لا. فتخيّل أيضا أنك عدت هذا اليوم مساءً إلى منزلك منهكًا بعد هذه المشكلات، وقررت أن تخفف الجو بحفلة صغيرة. ما الطبق المميز؟ خبز بالسمن ودجاج بلدي مقلي! فتتجه مباشرة إلى قفص الدجاج، وهناك دجاجتان سمينتان تجلسان بهدوء.
تفتح القفص وتمسك بإحداهما، فإذا بها تتراجع دجاجة فجأة وتبدأ في الصراخ والشتائم، وكأنها تقول: "لماذا أنا؟ أمسِك الأخرى! هل ستذبحني وتقطعني؟" وتنهال عليك بنقرات في الرقبة والعين والكتف. وتشاركها الأخرى، وتضربك في صدرك وأنفك ورأسك، وكأنها تقول: "ابتعد وسأهاجمك أنا أيضًا!" أيّ مشهد هذا؟
أعتقد أن الأمور بدأت تتضح الآن. صديقي، دعني أسألك ببساطة: من أنت؟ وكيف أصبحت كما أنت؟ وكيف وصلت إلى هنا؟ قد يكون المال في جيبك من كسبك، والقميص الذي ترتديه من اختيارك، والساعة في يدك طلبتها بنفسك، وربما سيارتك اشتريتها من المعرض مباشرة.
لكن، انظر إلى المرآة وابتسم! ثم سل نفسك... هل اخترت شكل أسنانك؟ هل حددت طول أنفك، واتساع عينيك، وعرض جبهتك، وكثافة شعرك؟ هل قررت شكل صدرك أو تكوين عضلاتك؟.
نختار كل شيء: البيت، السيارة، الملابس، الهاتف، الساعة، الطعام والشراب. لكننا لم نُمنح الخيار في أنفسنا. لم نقرر متى نولد، ولا أين، ولا في أي زمن، ولا من يكون والدانا. لم يُطلب منا إذن، ولم نُستشر، ولم نوقّع على شيء. جئنا إلى هذه الحياة كما شاءت إرادة من خلقنا، فنكبر ونتشكل وفق ما فُرض علينا، ثم نضعف ونذبل، وفي النهاية نسقط ونفنى. فأين سلطتنا الحقيقية على أنفسنا؟.
هناك تتجلى يد الخالق بوضوح. حين ننبهر بروعة الخلق دون الخالق، يعلن الله قائلًا: "أنا الذي خلقتك." لأني وهبتك اليدين والرجلين والعينين والأنف والأسنان واللسان. الهواء الذي تستنشقه كل لحظة من رزقي، والماء الذي تشربه من عطيتي، والطعام الذي تأكله من زرعي، واللباس الذي يسترك من فضلي.
فهل نحن حقًا نملك أنفسنا؟ وإن لم نكن نملكها، فبأي حق نتحدث أو نتصرف في ما لا نملكه؟ حين يغضب من لم يحصل على وظيفة، ألا تشعر بحرارته؟ دعه لأنه حر ليس في ملكك. أما الدجاجة التي ربيتها بنفسك، ألم تؤذِك؟ وشاركتها أخرى في ذلك، وكأنها تقول: لا تتصرف كما تشاء. لكن هل لك حق في تصرف مالك كما شئت.
علينا أن ننتبه هنا أيضًا. فالعلاقة بيننا وبين العامل علاقة محدودة ودقيقة، فهو إنسان حر ومستقل، ونحن لا نملك إلا الاستفادة من خدماته مقابل أجر ندفعه. ولا يحق لنا معاملته بقسوة لمجرد أنه يعمل لدينا، فهناك قوانين تحميه، خاصة في هذا العصر.
أما الدجاجة، فهي ملك لنا، لكنها وإن كانت من ممتلكاتنا وربيناها بأنفسنا، فإننا لم نخلقها. فالبيضة التي تفقس وتصبح فرخًا تتبع نظامًا وضعه خالق حكيم، بمدة حرارة محددة، وإذا حاولنا تسريعها بزيادة الحرارة، فلن نسرّع الفقس، بل ربما نحرق الجنين ونفقده.
نحن وكل ما في هذا الكون من بشرٍ ودوابّ وجبال وبحار، ملكٌ لخالقٍ واحدٍ حكيمٍ عليم. فإذا شاء أن يغيّر شيئًا من نظامه أو يقلب سننه، فمن ذا الذي يمكنه الاعتراض؟ الأرض تهتز فجأة، السيول تجتاح، الانهيارات تبتلع البيوت، التسونامي يضرب بلا رحمة، الأوبئة تنتشر وتحصد الأرواح، والفيضانات تغمر المدن. في مثل هذه اللحظات، أين سنذهب بشكوانا؟ إلى أي مركز شرطة نُقدّم بلاغًا؟ في أي محكمة نرفع قضية؟ وأمام أي وزارة نقف محتجّين؟ وعكسا ماذا لو كان سبب وفاة هؤلاء هو إهمال طبيب في مستشفى حكومي في بلدك؟ أو أن الحادث وقع بسبب تهوّر سائق؟.
الله هو المتصرف المطلق، يفعل ما يشاء، ولا يُسأل عما يفعل. ألم يخلقك إنسانًا؟ أليس حولك من هو أغنى وأجمل وأقوى وأرفع مقامًا منك؟ فلماذا لم تكن مثلهم؟ وهل تجرؤ أن تسأله؟ ألا ترى حولك من هو أعمى أو أصم أو أبكم؟ ألا ترى من فقدوا أيديهم أو أرجلهم؟ ومن يئنّون من المرض ويعانون من الفقر؟
لا لا..... لا يجوز لنا أن نسأل: "لماذا لم يخلقني الله مثل غيري؟" فالله رحيم حكيم، وأفعاله كلها مبنية على علم وحكمة، وإن خفيت علينا. نحن لا نعلم إلا القليل، كما قال الله تعالى: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً"، وقال: "وفوق كل ذي علمٍ عليم"، فهو العليم الحكيم الذي لا يُسأل عما يفعل.



