لنَعُد إلى جوهر الإيمان وقدرة الإنسان عليه من جديد... كيف يمكن للمرء أن يُؤمن بأمرٍ لا يمكن التحقق منه بالحواس الخمس أو عبر الوسائل والأدوات الخارجية؟.
عند تناول مسألة القدرات البشرية، لا بد أن نستحضر أن للإنسان أربع طبقات من الإمكانيات، تختلف من فرد لآخر. أوضح هذه الطبقات هي القدرات الجسدية، حيث يمتلك الجميع القدرة الأساسية على الوقوف والمشي والجري والقفز، إلا أن بعض الأشخاص، مثل الرياضيين والعدائين، يتمتعون بمهارات بدنية متميزة يكتسبونها من خلال التدريب والممارسة المنتظمة. هذه المهارات الجسدية التي يمكن صقلها إلى مستويات مذهلة تُعرف في علم النفس التربوي باسم (Psycho-motor Domain).
أما الطبقة الثانية فهي في غاية الأهمية: القدرات العقلية. فتميز الإنسان عن غيره من الكائنات يكمن في قدرته على التفكير والتأمل والبحث والاكتشاف. من الطفل الصغير الذي يذاكر استعدادًا للامتحان، إلى العالِم الذي يُبدع نظرية جديدة، كلها مظاهر تنبثق من هذا المستوى العقلي. ويُطلق على هذا الجانب في علم النفس اسم (Cognitive Domain). وإذا لم تُفعّل هذه القدرة، فإن الفارق بين الإنسان وسائر المخلوقات يصبح ضئيلاً.
ثم نأتي إلى مستوى آخر، وهو المستوى العاطفي. لا يقتصر هذا الجانب على الانفعالات كالسعادة والحزن والضحك والبكاء، بل يمتد إلى القدرة على إنتاج مشاعر فنية راقية، من خلال القصص والشعر والتعبير الإبداعي. ويمنح هذا البعد الإنسان القدرة على رؤية الأمور من زوايا مبتكرة، مختلفة عن التفكير النمطي المعتاد. ويُعرف هذا في علم النفس بـ (Affective Domain).
لكن، هل يقف الإنسان عند هذه المستويات الثلاثة؟ كلا، لم ينتهِ الحديث بعد...
عندما نقول جوز الهند، فما الذي نعنيه بذلك؟ أولًا: سطح خارجي دائري أخضر اللون. ثانيًا: تحت هذا السطح تكمن طبقة كثيفة من الألياف الخشنة. ثالثًا: يليها قشرة صلبة خشنة يصعب كسرها. هل نكون قد انتهينا عند هذا الحد؟ لا، بالطبع لا! فماذا عن اللب الأبيض الطري في الداخل؟ وماذا عن ذلك الماء العذب الحلو الذي يحتضنه في قلبه؟
هل من المنطق أن نتجاهل هذا الكنز القابع في الداخل بحجة أنه لا يستحق الحديث؟ هل نرميه جانبًا؟ أبدًا لا! لأنه في الحقيقة هو لبّ المسألة وجوهرها الأعمق، وهو الموضوع الأهم على الإطلاق.
عند الحديث عن القدرات، ألم نقل في البداية إن للإنسان أربع طبقات؟ هل نسي الجميع ذلك؟ إن أعمق هذه الطبقات وأرقاها هي البُعد الروحي، وهي الجوهر الحقيقي للإنسان، لبّه وذروته.
من خلال الرؤية السطحية القصيرة المدى، قد يبدو أن الجسد والعقل والعاطفة هي المحاور الفاعلة في حياة الإنسان، وهذا أمر لا يُنكر. لكنها تبقى طبقات متغيرة، متقلبة، محدودة.
أما حين ننظر نظرة شاملة بعيدة المدى، ندرك أن البُعد الروحي هو الذي يمنح الإنسان قيمته الحقيقية، وهو ما يضيء وجوده، ويمنحه الثبات والمعنى. ففي هذا البعد يكمن جوهر الإنسان، وبه تتحقق كرامته وغايته في الحياة.
منذ ستمائة سنة، عاش رجل مئة سنة ثم مات. لو فكرنا اليوم لماذا كان يعيش تلك الأيام، ماذا هو هدفه. قد لا نجد إجابة واضحة. فقد عاش مثله كثير من الناس: استمتع بشبابه، جمع المال، أصبح ناجحًا، ثم كبر في السن وضعف، حتى لم يعد قادرًا على فعل شيء. وعندما نقترب من هذه المرحلة من الحياة، تظهر في داخلنا أسئلة صعبة لا نعرف لها إجابة. بل في الحقيقة أنه تكون هذه الأسئلة مرتبطة بجانب روحي نحاول كثيرًا أن ننساه. هل شعرت يومًا أن هناك سؤالًا في داخلك: لماذا نحن موجودون؟ لماذا نفقد براءة الطفولة؟ هل الشيخوخة مجرد نهاية حزينة؟ هل الحياة تعني فقط أن نضعف يومًا بعد يوم؟
هل لعقولنا معنى خاص في هذا الكون؟ هل لتجاربنا العميقة هدف حقيقي؟ هل نملك حرية الاختيار فعلًا؟ أم أننا فقط نسير في طريق محدد؟ هل هناك غاية من حياتنا؟ أم أننا نصنع معناها بأنفسنا؟ كل هذه الأسئلة تمر في داخلنا بصمت، وتدفعنا للتفكير، لعلنا نعرف لماذا نحن هنا وماذا تعني حياتنا فعلًا.
إذا كان الكون واسعًا ومليئًا باحتمالات لا نهائية، فهل وجودنا مجرد نقطة بلا أهمية دائمة؟
هل يمكن للعقل أن يتجاوز الجسد المادي؟ هل لنا وجود بعد الموت؟ أم أن كل شيء ينتهي بالموت؟ إن البشر يعيشون هنا وسط معاناة كبيرة، فهل هذه الصعوبات نتائج حتمية للوجود؟ أم أننا قادرون على خلق نظام حياة يخلو من المشقات والأزمات؟
هل قدرة الإنسان على المحبة والتواصل ناتجة عن تطور مادة شاركت في الانفجار العظيم؟ وهل يمكن لصخرة أن تُحب كما نفعل؟
هل نحن أساسًا وحيدون في هذا الكون، أم أن هناك كائنات أخرى لا تزال تنتظر أن نكتشفها؟ وهل بين هذه الكائنات من يفكر مثلنا؟ هل نحن من يحدد الخير الأسمى؟ أم أن هناك قيمًا عليا سامية تفوق حدود العقل؟
ما هو المصير النهائي لهذا الكون؟ وما هو المعنى لوجودنا فيه؟ هل لدينا التزام أخلاقي تجاه الأجيال القادمة؟ أم أننا أحرار في أن نتصرف وفقًا لمصالحنا الأنانية؟... وتستمر هذه الأسئلة بلا نهاية.....
لا يمكن إخفاء الأمور المهمة لفترة طويلة. هل من الممكن أن نعيش فترة مع قشرة جوز الهند وغلافها وأليافها؟ أليس علينا الآن أن نصل إلى قلبها الداخلي؟ عندما قسّم "هوارد غاردنر" (Howard Gardner) الذكاء (Intelligence) إلى سبعة أنواع، لم تُمنح السمة الروحية (Spiritual Aspect) مكانًا في الجولة الأولى من الاختيار. ولكن بعد أن أُضيف لاحقًا، تم أخذه بعين الاعتبار بشكل جدي. والآن، الناس يبحثون عمّا هو "الذكاء الروحي" (Spiritual Intelligence). مثلما يعتبر "الذكاء العقلي" (IQ) أمرًا مهمًا، فإن "الذكاء العاطفي" (EQ) كذلك مهم، بل إن "الذكاء الروحي" (SQ) لا يقل أهمية عنهما. وهنا تكمن أهمية المسألة. يُقال إن جوهر "الذكاء الاجتماعي" (Social Quotient) هو في الحقيقة "الذكاء الروحي" (Spiritual Intelligence).
ليس بمقدور الجميع أن يركضوا بالسرعة سوية عندما يطاردهم كلبٌ يعضّ. فليست نظريات "الرياضيات" (Mathematics) و"الفيزياء الكمية" (Quantum Physics) المعقّدة مفهومة للجميع بنفس الدرجة.
وكذلك، حين يمرّ الإنسان بتجربة قاسية أو صادمة في حياته، ليس الجميع قادرين على تحويلها إلى قصةٍ متّقدة أو قصيدةٍ ملهِمة تعبّر عنها.
وحتى في أعمق أعماق الإنسان، على مستوى طبقة "الإيمان" ، نرى هذا التفاوت. فليست القدرة على "التصديق" واحدة عند الجميع.
لذلك، لا ينبغي أن نقيس "الإيمان"بمقاييس "العقلانية" (Logic)، ولا أن نزن "العقل" (Reason) بمقاييس "الإيمان" (Faith).
وهذا ليس محصورًا في هذا السياق فقط، بل يظهر عندما نحاول استخدام "المنطق المعرفي" (Cognitive Logic) لقياس "المنطق العاطفي" (Affective Logic)، فستظهر المشكلة.
عندما نروي ظاهرة طبيعية بأسلوب شعري "وجداني" (Aesthetic), فإن "المنطق التحليلي" (Analytical Reason) قد يرفضها أو يسخر منها.
حين تطير العصفورة وتجلس على غصن شجرة، وتغني لها الحبيبة تهويدةً بلحنِ محبة، فإن "المنطق العقلي البحت" (Pure Rationality) قد يرى هذا ضربًا من الجنون. ويسأل: ما علاقة الشجرة بالغناء والتهويد والتقبيل؟ أليس كل هذا مضيعة للوقت؟
وقد يُحاجج قائلًا: ألم يكن ما رأيناه هناك هو "قانون نيوتن الثالث للحركة" (Newton’s Third Law of Motion) – أن لكل فعل رد فعل مساوٍ ومعاكس؟ هذه هي حدود "العقل" (Reason).
عندما نتحدث عن الإيمان، كنا قد أوضحنا سابقًا ما المقصود به. فالإيمان ليس هو ما نراه مباشرة بأعيننا، بل هو حالة روحية نصل إليها بناءً على مصداقية القائل وظروف الأدلة المحيطة.
وليس المقصود هنا بالإيمان هو الاستنتاجات الافتراضية التي نصل إليها بشأن الأمور المادية بناءً على الظواهر الخارجية. علينا أن نتذكّر جيدًا هذه النقطة.
ولله در قاىل"إن الإيمان ليس مجرد تخمين عقلي، بل هو يقين يتجاوز الإدراك الحسي"؟... ها من الذي لم يقل هذا؟
حين نتأمل، ندرك أن هناك من لا يستطيع الإيمان، حتى إن توفرت له كل الظروف الملائمة. وهذا في حقيقته ضعف في قدرته الروحية. وعلى الجانب الآخر، نجد من يفيض قلبه بالإيمان، وتراه يغمره شعور تعبّدي عميق — كما أشرنا سابقًا، فالتفاوت في القدرات أمر طبيعي في شتى المجالات.
فعند وقوع جريمة، قد يتمكن محقق بارع من تتبع خيط دقيق يقوده إلى الحقيقة، بينما يستطيع قاتل ماكر أن يستغل ذات الخيط لإرباك مسار التحقيق. ولربما تملك الكلاب البوليسية حاسة شم تمكنها من التعرف على ما تعجز عنه الحواس البشرية. هكذا هي القدرات: تتفاوت وتتنوع.
وليس اكتشاف الروح أمرًا يمكن الوصول إليه بتجارب مخبرية نمزج فيها المواد الكيميائية في أنابيب اختبار، ثم نزعم بعدها أننا أدركنا جوهر الروح. الأمر أعمق من ذلك بكثير.
المعرفة الحقيقية هي أن نعي بأن ثمة أمورًا لا يمكن إدراكها أو قياسها بالأدوات المادية. ومثلما لا ينال الجميع كل شيء في هذه الحياة، كذلك لا تُفتح أعين البصيرة لكل أحد ليرى ما وراء الظاهر ويصل إلى ذلك الإدراك الروحي العميق.
حين نستعرض صفحات التاريخ الإسلامي، يتجلى لنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه نموذجًا سامقًا في عمق الإيمان وصفاء اليقين. إنه الصاحب الذي لم يكن في قلبه ذرة تردد في تصديق النبي ﷺ، لأن معرفته بالنبي لم تكن سطحية أو عقلية محضة، بل كانت معرفة ذوقية نابعة من بصيرة نافذة وعلاقة روحية عميقة.
ولذا، حين أخبر النبي ﷺ الناس برحلته السماوية في ليلة واحدة، اضطربت العقول، وارتبكت الألسن، وتوقفت الحسابات. أما أبو بكر، فلم يلجأ إلى تحليل منطقي أو بحث علمي أو موازنة احتمالات، بل قال بثبات: "إن كان محمد قد قال، فقد صدق". هكذا ببساطة، لأن القول صادر ممن لا يكذب.
ذلك هو الإيمان الحقيقي، وذلك هو مقام التصديق الذي لا تزعزعه العقول المترددة ولا التساؤلات المحدودة. فالإيمان، في حقيقته، هو الإيمان... هو الإيمان... هو الإيمان.



