ما أحلى.. عشنا بالحرية والمرح.
ندخل ونخرج من الجامعة متى نشاء، ونوقّع في السجل متى نريد، ونتحدث ونضحك حتى أثناء المحاضرات، ننسخ الواجبات، نغش في الامتحانات كأنها لعبة، نلبس ما نحب، ونقصّ شعرنا كما نشاء، نبقى في الكلية حتى بعد أن يغادر الجميع، كانت الإجازات كالعيد، والمهرجانات كالفرح، والرحلات... كانت أحلى من الأحلام. ثم فجأة تغيّر كل شيء.
انضمّ المدير الجديد إلى الجامعة! شخص مليء بالشهادات والإنجازات، وله جدّية وهيبة.
القوانين الجديدة نزلت مثل المطر، فجأة لم يعد هناك مجال للفوضى أو اللعب كما كنا نفعل من قبل.
كل شيء صار منظمًا: الدخول في الوقت، الخروج في الوقت، لا تساهل في أي.
حتى التأخير القليل أصبح له عقوبة!
لو تأخرت خمس دقائق فقط؟ تُحسب نصف يوم غياب!
المدير يراقب كل شيء، من الحضور حتى الزيّ،
وباتت الجامعة تشبه معسكرًا صغيرًا.
علينا الآن أن نحضر كل الحصص دون غياب، وإن غبنا ليوم واحد، فلا بد من إحضار عذر مكتوب، وإذا امتد الغياب ليومين، فلنأتِ أحد الوالدين بنفسه!
الزيّ الرسمي صار إلزاميًا، ولا يُسمح لنا بالدخول بدونه.
يجب أن يكون شعرنا مهذبًا وملابسنا نظيفة،
بدأنا نشعر أن المدير الجديد يتدخل حتى في تفاصيل حياتنا الصغيرة،
لكن لا فائدة من الاعتراض، فكل من في الإدارة ولجنة أولياء الأمور يدعمونه بكل قوة.
فلا مجال للتراجع، ولا فرصة لتغيير الأمور.
كل شيء تغيّر، ولم يعد كما كان.
بدأت مرحلة جديدة تمامًا!
فقد قام المدير بفصل المعلمين غير الجادين، واستبدلهم بأساتذة متميزين وذوي خبرة عالية.
كل شيء أصبح منظمًا ودقيقًا: نماذج واضحة للواجبات والمشاريع، متابعة مستمرة وتقييم حقيقي.
امتلأت أيامنا بالدروس المركزة، والحوارات المفيدة، والمناظرات الفكرية، وورش العمل الحيوية.
أما المهام؟ فهي كثيرة، متتابعة، وتحتاج إلى صبر وسهر.
عندما تتحول الجامعة من حياة عشوائية إلى نظام منضبط، يشعر الطلاب وكأنهم انتقلوا من نزهة ممتعة إلى معسكر صارم. والذين اعتادوا الحرية والفوضى، يشعرون بالضيق، ويتذمرون من المدير الجديد، ويحلمون بالعودة إلى أيامهم القديمة.
لكن هناك شيء مهم: الفرق في الجودة!
الذين تخرجوا في زمن الفوضى لم يكن لديهم مستوى جيد، ولم يصل أحد منهم إلى مناصب عالية.
أما الذين تعلموا بعد الإصلاح فقد تفوقوا، وكان مستواهم أفضل، وظهرت مواهبهم واختفى الكسل، وانطفأ الفوضى واشتعل فيهم الحماس.
صحيح أنهم كانوا في بداية طريقهم متواضعين، لكنهم خرجوا بأجنحة قوية تُمكّنهم من الطيران والنجاح.
واليوم، نراهم يحتلون مناصب مهمة في الجامعات والمعاهد والشركات.
فالإنسان بطبيعته يحب الراحة، ويبحث عن اللذّة بلا حدود، والحرية من دون قيود.
لا أحد يحب أن يُزعج راحته، أو يُتعب جسده وعقله من أجل الإصلاح أو الانضباط.
لكن الحقيقة لا نستطيع أن نعيش كما نشاء دائمًا.
فكثيرًا ما نُجبر على أن نتخلّى عن راحتنا، ونتحمّل المشقّة، لنصل إلى شيء أعظم.
ما أجمل أن ننام في دفء بطانيتنا في ليلة باردة، نشعر بالراحة والسكينة، ولا نريد أن نستيقظ أبدًا!
لكن، يرنّ المنبّه في الثانية عشرة والنصف.
نفتح أعيننا بصعوبة، نُبعد البطانية التي نحبها كثيرًا، ونجبر أنفسنا على النهوض.
لماذا؟ لأن أمامنا هدف لا يمكن تأجيله.
الطائرة إلى دبي تقلع في السادسة صباحًا، وإذا لم نغادر الآن، سنفقد الرحلة.
أو لأن غدًا هو يوم الامتحان الحاسم، وقد سجّلنا الملاحظات المهمة، ويجب أن نراجعها.
نترك الراحة رغم تعبنا، ونتحمّل المشقة لأننا نعلم أن النجاح لا يأتي بالنوم، بل بالعزيمة والإصرار. فنتألم اليوم، لنرتاح غدًا.
مائدة الطعام..! يا لها من وليمة !
المندي، والدجاج المقلي، والسمك، واللحم، والفواكه، والحلويات بأنواعها، والعصائر والكيك... كل شيء موجود.
لكن هو؟ لا يأكل شيئا لا لحمًا ولا دجاجًا! لا سمك، ولا حتى قطعة كعك!
يبدو أنه لا يحب هذه؟ بالعكس! هو عاشق للطعام، ويتوق لتلك الأطباق بشدة.
لكنّه يعرف جيدًا... فلقمة واحدة قد تفتح أبواب الألم. الضغط، والسكر، والكوليسترول، كلّها تنتظره على الجانب الآخر من الطاولة. لذا هو يمتنع رغم حبه الشديد. أمام مائدة مليئة بالأطعمة اللذيذة، يمسك أنفسه كأنه فيل مربوط بالسلاسل.
نقاوم رغبات الجسد والنفس، ونتحكم بأنفسنا بقوة. نفرض على أنفسنا قوانين صعبة، ونبتعد عن ما نحب، ليس لأننا لا نريده، بل نعرف أن فيه ضررًا، فنختار أن نحمي أنفسنا، وننتصر على شهواتنا بهمة.
انظر الحياة العامة؟ هناك قوانين في كل مكان!
المال الذي كسبته، لا يمكنك أن تحتفظ كله في يدك، يجب أن تودعه في البنك، هذا هو قانون البلد.
السيارة التي اشتريتها بعد تعب وجهد، لا يمكنك قيادتها إلا إذا التزمت بمئات القوانين واللوائح!
حتى لو أردت فقط المشي على جانب الطريق أو عبوره، تجد القوانين تحيط بك من كل جانب.
لا نحب القوانين والقيود، لكن مَن هم الذين يضعون هذه القيود؟ هل نفكر أحيانًا في السيطرة عليهم؟ لا، نحن لا نفكر كذلك أبدًا.
دعونا نفكر بصدق، هل نخضع للقوانين فقط؟ الحقيقة أننا أحيانًا نُلزم آخرين على الالتزام بالقوانين والقيود.
تخيلوا طفلًا صغيرًا يفتح علبة الحلوى، نراه يأخذ أول قطعة، فنسكت. ثم الثانية والثالثة، فنقول: "لا بأس، هو طفل". لكن لو تركناه هكذا، سيأكل كل ما في العلبة! في النهاية، نأخذ العلبة من يده ونغلقها بإحكام. لماذا؟ لأننا نعرف أن الإكثار من الحلوى يؤذيه، مهما كانت لذيذة. إذًا، ليس كل تقييد شرًّا، أحيانًا هو حماية. فالقوانين.
يهطل المطر بغزارة، والطفلة الصغيرة تقفز بفرح وسط الماء.
لكننا نركض ونضمها سريعًا لنمنعها من البلل.
لماذا أوقفنا فرحتها؟
لأننا كبار ونعرف ما لا تعرفه هي: أن الفرح أحيانًا يُخفي تعبًا بعده.
الأطفال يكرهون الدواء، لكننا نعلم أنه الطريق إلى الشفاء.
لذا، نضطر لإجبارهم عليه خوفًا على صحتهم.
يا صديقي، نحن كالأطفال، لا نعرف كل شيء، وأهم المعرفة هي أن ندرك جهلنا في عدة أمور. كثيرًا ما نُفتن بلذّات زائلة وننسى راحة دائمة، ومن يفضّل المؤقت على الأبدي، يُخطئ الطريق. عقولنا محدودة، ولسنا قادرين على فهم كل ما سيحدث لاحقًا، ولهذا نحتاج إلى توجيه من خارج قدراتنا البشرية. ها هي التي نسميها بالدين، فهو ليس تقاليد فقط، بل دليل حياة يحفظنا من الضياع، ويقودنا نحو السعادة الحقيقية.
الدين ينصح العقلاء الذين يدركون حكمة الاستيقاظ المبكر، للاستعداد للامتحان أو السفر في المطار، بأن ينهضوا قبل الفجر يوميًا، ولا يناموا كالقلاب، لأن هذا الوقت هو الأنسب لحياة ناجحة وصحية. فبداية اليوم بالنشاط والحيوية تعين الإنسان على تحقيق أهدافه بسهولة ويسر.
وينصحنا الدين بأن نضبط شهواتنا ولا نتجاوز الحدود، فلا نقترب من الزنى أو الفساد. كما يحذر من جني المال بالربا، لأنه طريق للخيانة والاستغلال.
رغم أن الخمر قد تمنح لذة مؤقتة، إلا أن الدين ينبه إلى أضرارها الكبيرة التي تدمر الكبد، تضعف العقل، وتخرب الأسرة. الدين هو هدى يوجهنا نحو حياة متزنة وصحية.
لكن بعض الناس يتعاملون مع كل القوانين والأنظمة الأخرى بكل احترام وحرص، إلا حين يأتي الحديث عن الدين، فيثورون عليه بشدة ويشعرون وكأنه يقيدهم ويأسر حريتهم، فتتملّكهم الغضب والرفض. قل لي، هل هذا من حكمة العقلاء؟ أليست هذه الاعتراضات على الدين مجرد ستار يخفي وراءه شهوتهم للرفاهية وتبريرًا لتمسكه بأسلوب حياة أشبه بالحيوانية؟



