بعد انتهاء الضيافة، دار بينهما حديث ودّي:
بصراحة، في فن الضيافة، هؤلاء هم الرقم واحد، بلا نزاع!
صحيح أن الطعام كان منظّمًا ولذيذًا، لكن ما لفتني أكثر هو أسلوبهم الراقي في الترحيب. يفتحون قلوبهم قبل بيوتهم: يصافحون، يعانقون، يُجلِسون باهتمام وكأننا ضيف عزيز منتظر. لا يسألون عن ديننا أو لغتنا أو بلدنا، فالجميع عندهم موضع ترحيب ومحبة.
ولا يقتصر كرمهم على البيوت فقط، بل يمتد إلى ساحات المساجد ومجالسهم العامة. في دول الخليج مثلًا، خلال شهر رمضان، قد لا نُعدّ الطعام في بيوتنا مساءً، لأننا نعلم أن المسجد يكفينا. ندخل أي مسجد في وقت الإفطار، فنجد المائدة عامرة بأطيب الطعام، نظيفًا وصحيًا، مع فواكه وماء ولبن، وكل ذلك يُقدَّم بلا سؤال أو تمييز: لا يهم من أنت، المهم أنك ضيف، وأنت مرحّب بك."
نعم، وأنا أعلم ذلك تمامًا. لسنواتٍ طوال، كان أصدقائي وأنا نجد في موائدهم الرمضانية ملاذًا دافئًا، نكمل به يومنا، فهم يعطون بسخاء، دون تردد أو انتظار مقابل.
وكرمهم لا يقتصر على الضيافة فحسب، بل يتجاوزها إلى غيرها. ففي كل مكان — سواء في دول الخليج أو في أوطانهم — تراهم في طليعة من يمدّ يد العون للمحتاجين. عبر مساجدهم ومؤسساتهم المجتمعية، يبنون المساكن للفقراء، يراعون الأرامل، يجهّزون الفتيات للزواج، يتكفّلون بالأيتام، يداوون المرضى، ويحتضنون المنكسرين. إنهم يبثّون الرحمة حيثما حلّوا.
حين ذكرتَ موضوع الأيتام، تذكّرت خطابًا رائعًا للأديب المرموق. في طفولته، كان يلعب الشطرنج مع أطفال جيرانه المسلمين. وكان والدهم، الحاجي، رجلاً تقيًّا رقيق القلب. إذا شعر أن الطفل غير المسلم على وشك الخسارة، كان يتدخل بخفّة ويُساعده على الفوز، حتى إنْ كلفه ذلك أن يخسر أولاده.
وقعت هذه الحادثة في منطقة بونّاني، المعروفة بأنها مكة مليباريين. وقد نقلها الأديب البارز والحائز على جائزة الأكاديمية الأدبية المركزية، ك. بي. رامانُنّي، في أحد خطاباته،. وعندما كبر وبدأ يتعمّق في القراءة، قرأ حديثًا نبويًّا يقول: "لا تُظهروا المودّة الزائدة لأبنائكم في حضرة طفلٍ يتيم." حينها، أدرك أن والد صديقي، قيوم، لم يكن يتصرّف بعفوية فقط، بل كان يُجسّد هذا التوجيه النبويّ بكل لطف وإنسانية.
نعم، كان رامنونّي يتيمًا. لم يكن مهمًا إن كان من دينٍ آخر، فاليتيم يظل يتيمًا، والرحمة لا تسأل عن الهوية.
حين يتعلّق الأمر بالأعمال الخيرية كبناء المنازل، وتزويج المحتاجين، وتوفير مياه الشرب، تجدهم في الصفوف الأولى، يقدّمون العون بسخاء ورضا، لا يُلحّون في السؤال، بل يمدّون أيديهم بالعطاء دون تردّد.
ولديّ مثال يروي شيئًا من دقّتهم المذهلة في التعامل المالي. أحد أصدقائي، وهو نجّار، كان قد أنجز رفوفًا خشبية للطبيب المسلم قبل عدّة سنوات. لم يطالبه بالدفع حينها، ولم يَعُد يتذكّر الأمر. وقبل سفر الطبيب إلى الحج، فتح دفاتره القديمة، فتذكّر أنه مدين له بمبلغ يقارب 1300 روبية قبل ثماني سنوات. لم ينتظر كثيرًا، بل قصد بيت النجّار في المساء، ووضع في يده ثلاثة آلاف روبية، دون مراجعة أو مساومة، قائلًا له بلطف: "كيف أذهب إلى الحج وعلي دين؟".
صديقي العزيز، ما سمعناه هو مجرد حوار بين شخصين، يعرضان فيه ملاحظاتهما المختلفة حول المجتمع المسلم، بناءً على تجاربهما الشخصية.
المجتمع المسلم ليس مجموعة منعزلة خلف الجدران، بل هو جزء متفاعل من النسيج الإنساني، يشارك الآخرين حياتهم العامة ويعيش بينهم منذ زمن طويل.
وقد تكون لديك أنت أيضًا مواقف وتجارب مع أفراد من هذا المجتمع. فهل يجوز لنا، إن أخطأت أمٌّ واحدة، أن نعمّم الحكم على جميع الأمهات؟ وهل يليق بنا أن ننزع الثقة من جميع الأطباء لأن أحدهم أساء؟ أو أن نكره كل المعلّمين لأن واحدًا منهم كان جائرًا؟
في كل فئة هناك الطيب والخبيث، الصادق والكاذب، العادل والظالم. هذا هو طبع الدنيا. ولهذا، لا يجوز أن نبني أحكامنا على مواقف فردية أو تجارب عابرة، فليس من الإنصاف أن نحكم على أمة بأكملها من خلال خطأ شخص، أو موقف واحد وقع في زمن أو مكان معيّن.
أخينا، نحن أحرار نمتلك عقولًا واعية، وقادرون على النظر في الأمور بعينٍ فاحصة، وتقييمها من خلال زاويتنا الخاصة. ومن حقنا، بل من واجبنا، أن نتحقق بأنفسنا من مدى دقة التصورات الشائعة حول المجتمع المسلم في مختلف أنحاء العالم.
لقد كان المسلمون – عبر التاريخ – من أكثر الشعوب تعرّضًا للاضطهاد والملاحقات. ما يواجهونه اليوم ليس وليد اللحظة، بل امتدادٌ لتاريخ طويل من المعاناة. وقد لا نجد طائفة دينية أخرى طالتها المظالم كما طالتهم. ومن يتأمل عناوين الصحف اليومية، يدرك كيف أن المسلمين ما زالوا يُستهدفون في أكثر من مكان، ويُضيّق عليهم بوسائل مختلفة.
لكن المثير للإعجاب، هو هذا الثبات العجيب. على الرغم من القمع الشديد تارة، والإغراءات المبهرة تارة أخرى، لا يزالون يتمسّكون بإيمانهم، دون أن تنال الظروف من يقينهم. وهذا الصمود ليس ضعفًا في الشعور، بل قوة في القناعة، ورسوخ في المبادئ، وكرامة تنبض بالحياة. في عالمٍ كثيرًا ما تطيح به الأزمات، يُثبت هذا المجتمع أن الإيمان العميق قادرٌ على الثبات، مهما اشتدت العواصف.
من خلال التأمل العميق في طبائع الناس، ترى فئتين: فئةٌ تُغلّب راحتها على كل شيء، نراها في التخلّي عن المبادئ سبيلًا للعيش الهانئ. لا مانع لديهم من اعتناق أي فكر أو التنكر لأي معتقد، ما دام ذلك يضمن لهم حياة هادئة بلا قيود، فهم على استعداد لارتداء أي قناع، وإقامة التحالفات حيثما اقتضت المصلحة.
وفي المقابل، هناك فئة أخرى نادرة، لكنها ثابتة كالجبال، ترى في الإيمان جوهر وجودها، فلا تتنازل عنه مهما كان الثمن. قد تخسر المال، المكانة، الأهل، بل حتى النفس، لكنهم لا يساومون على ما يؤمنون به، لأن العقيدة عندهم ليست خيارًا طارئًا، بل هي حياتهم.
ومن يقرأ التاريخ بإنصاف، ويتأمل الواقع بوعي، يُدرك أن المسلمين – في كثير من محطات الزمن – كانوا نموذجًا لهذه الفئة الثانية، يحملون إيمانهم في قلوبهم كمن يحمل كنزًا لا يُفرّط فيه، ويثبتون عليه رغم المحن، لأن الدين في نظرهم ليس مجرد كلمات، بل روح تُقاوم كل سقوط، وتنهض في وجه كل انكسار.



