وُلدت في دينٍ معيّن، وصديقي وُلد في آخر، وآخر في ثالث، وآخر بلا دين. فسؤالي، هل هذا إلا مجرد تقليد بما وجدنا عليه آباءنا؟ فنصبح مدافعين عن ذلك الدين ونُثني عليه، فقط لأنه إرثٌ ورثناه؟ فكيف لأحدنا أن يقول: "ديني هو الحق"؟ أليست المسألة حينها مجرد صدفة؟ وأيضا هل يكفي أن نعيش على أي دين، أو حتى بلا دين؟.
هذا التساؤل يُعد من الإشكالات الفكرية التي تظهر وتغيب في أذهان كثيرين، لكنه ليس حاضرًا بنفس الحدة في حياة الجميع. فالكثير من الناس، بسبب انشغالهم اليومي وضغط مسؤولياتهم، لا يتوقفون للتأمل العميق في مثل هذه الأسئلة. همّهم الأول أن يعيشوا حياة هادئة ومستقرة، ويحققوا إنجازات ملموسة، دون الدخول في تعقيدات فكرية قد تُربك مسارهم. ولذلك تجد الغالبية تمضي في الحياة دون أن تطرح على نفسها أسئلة كبرى عن الإيمان.
علاوة على ذلك، ما الملامح الحقيقية للدين الذي وُلدتُ عليه؟ هل يستطيع ديني أن يحتوي أفكاري العميقة، ويُجاري تساؤلاتي، وهل هو موافق ومناسب لهذا العصر؟ وأين تقف سائر الأديان حين تُقارن به؟ أغلب الناس لا يخوضون غمار هذه الأسئلة، بل يكتفون بأن يعيشوا، وكأن غاية الحياة في نظرهم هي أن تمضي بلا عناء، بلا بحث.
في مرحلة الدراسة، ينشغل المعظم بالتفكير في طموحاتهم الدنيوية، فيرسمون مساراتٍ مهنية محددة: أن يكونوا أطباء، مهندسين، طيّارين، إداريين، علماء، محاسبين، أو في مجالات الشرطة والجيش وغيرها. وتُسخّر سنوات الطفولة والمراهقة بكاملها لتوجيههم نحو هذه الأهداف، وكأن الحياة لا معنى لها خارج إطار المهنة.
بعد أن يحقق هدفه المهني، ينغلق غالبًا على ذاته داخل إطار الوظيفة، ويعيش حياته محصورًا بين جدران العمل، كأنها كل ما في الوجود. في هذه المرحلة، يغيب التفكير في الدين أو الإيمان أو الفلسفة عن حياته اليومية، فلا يتعلق بالدين إلا في الطقوس والمناسبات الدينية الظاهرية، حيث يقتصر حضوره على التقليد السطحي دون إدراك عميق.
كما قلت، هل نرى أن من وُلدوا في ديانات مختلفة قد قاموا فعلاً بدراسة دياناتهم بعمق، وفهموا حقيقتها، ثم توصّلوا بأنفسهم إلى الحق، فحلّلوها وناقشوها بعقل ووعي، حتى امتلأت قلوبهم يقينًا بأن دينهم هو الأكمل والأشمل، فأصبحوا مدافعين عنه بإخلاص؟ هذا ليس ما يحدث في الواقع. تأمّل جيدًا يا صديقي، وستدرك ذلك بوضوح.
أغلب الناس منهمكون في تحديد أهدافهم الحياتية والسعي وراء تحقيقها، دون أن يمنحوا أنفسهم فرصة لطرح السؤال الجوهري: ما الغاية من هذه الحياة؟ يُولَدون، يعيشون، ثم يموتون— وهكذا تمضي أعمارهم. هذه هي القاعدة عند الأكثرية. ومع ذلك، هناك قلة تخرج عن هذا النمط؛، لأنهم يرون أن بعض مظاهر الدين لا تُحرر الإنسان بل تُحاصره. نعم، لن نُخفي الأمر: الدين في أحيان كثيرة يُقيّد الإنسان، يضبطه، يُوجّهه… نعم، إنه يُسيطر!
وبطبيعة الإنسان يكون قادراً أن يحيا كالحيوانات. لكن الاسلام جاء لتُهذّب هذا الانفلات. نهاه عن الشرور: لا تسرق، لا تزنِ، لا تكذب، لا تقتل... ثم أرشدته إلى الخير: احترم، أحب، تعلّم، تطهّر، تعاون، واعرف كيف تعيش. فالدين لم يكن فكرة نظرية، بل دليلاً عمليًا يسير مع الإنسان في تفاصيل يومه، يصحّح خطاه ويوجّه روحه.
لأن الأديان تضع حدودًا وتنظم سلوك الإنسان، فإن بعض الناس الذين يريدون أن يعيشوا كما يشاؤون دون أي قيد، يرون في الدين حاجزًا يمنعهم من الاستمتاع بكل ما يرغبون فيه. ولذلك تراهم يرفضون الدين، ويهاجمونه بالكلام، بل ويتعمدون تشويهه في كل فرصة.
ومع ذلك، يختار أغلبهم الصمت تجاه الدين، تفاديًا للصدامات أو المتاعب في حياتهم اليومية. لكنّ فئة قليلة تخرج عن هذا الصمت، تطرح تساؤلات علنية، وتُجاهر بعدم انتمائها لأي دين. وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي بشكلٍ واضح في تعزيز هذا الاتجاه، مُتَيحةً لهؤلاء منبرًا للتعبير والتأثير.
فبعض الناس، رغم انشغالات الحياة، ينظرون بعمق، ويسألون ويبحثون. يقرؤون عن الدين الذي وُلدوا فيه، ويقارنونه بغيره من الأديان. ومن خلال هذا التأمل، يصلون إلى الحقيقة، ويختارون ديانتهم عن قناعة ووعي.
وهذا ليس ظاهرة هذا العصر فحسب بل هكذا يستمرّ وسيبقى كذلك. فمَن يدرس الأديان ويقارنها ثم يجدوا الاسلام ويصححونه ليسوا من فئة واحدة، بل من مختلف التخصصات والمجالات: فيهم العلماء، والأدباء، والفنانون، والمفكرون، والمعلمون، والطلاب، والباحثون، والرياضيون، وعارضو الأزياء، ونجوم السينما، والسياسيون، والفلاسفة، والمجرمون، ورجال الدين، واللادينيون، والناقدون للأديان، والملحدون، والفوضويون... تتعدد مشاربهم وتتسع آفاقهم.
في زمنٍ تتوفر فيه سُبل المعرفة دون قيود، بات من السهل التعرّف على من هم هؤلاء وكيف يسيرون، دون تهويل أو تحريف. لم يعد البحث عن الحقيقة مرهونًا بما يقوله الآخرون، ولا مستقبلك الفكري بيد من يوجهك. بل صار في متناولك أن تكتشف بنفسك، بعقلك الحر وبصيرتك المستقلة، اتجاهات الفكر وتحولات العالم القادمة. لا تُسلّم عقلك لأحد، بل كن أنت السائل، الباحث، والمكتشف.



