أليس من المؤسف أن أكثر أهل الأرض يعجزون عن الإيمان بالتأمل والتفكر؟ أليس من المقلق أن معظم الناس يعيشون على هامش الطريق المستقيم، دون أن يدركوا وجهته؟
فنقول. اترك جانبًا قضية الإيمان، وانظر إلى ما سواه: هل ينال كل أحد ما يشتهي؟ وهل تتحقق للناس كل آمالهم؟ وهل يسلمون من كل ما يكرهون؟
ليس في هذا العالم أن ينال كل إنسان كل ما يريد، فانظر إلى المجتمع من حولك؛ كم من أصحاب المليارات يوجد؟ قلة نادرة، بينما الغالبية تتمنى لو كانت مثلهم. وكم من شديدي الجمال تخطف أنظار الناس؟ قليلون، ومع ذلك فالجميع تقريبًا يتمنون أن يكونوا على مثل ذلك الجمال. وكم من الناس يجلسون على كراسي الحكم والسلطة؟ عدد محدود، بينما الطامحين إلى تلك المناصب لا يُحصَون. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا لا يُصبح كل هؤلاء كما يتمنون؟
دع كل ذلك جانبًا. أليس الجميع يتمنون أن يكون لهم منزل وأرض يؤوون إليها مع أسرهم؟ ومع ذلك، كم من آلاف الناس يعيشون دون ذلك؟ أليس الجميع يرغب في أن يظل قويًا معافى حتى آخر لحظة من حياته؟ ومع هذا، أليست المستشفيات تنبت في كل زاوية، وتمتلئ بالمرضى؟
نعم، هكذا هو نظام هذا العالم. ألقِ نظرة على الكائنات الحية: منها ما يأكل النبات، ومنها ما يأكل اللحم، ومنها من يعيش في القرى، ومنها في الغابات، ومنها في البحر، ومنها على اليابسة. بعض البشر سمر، وبعضهم بيض. وإن شئت، فاسأل: لماذا لا يتحدث جميع البشر لغة واحدة؟ فالتنوع هو بقاء العالم وجماله.
هل تعلم؟ هذا هو حال الدنيا! لن تُجدي نظريات تطوير الذات، ولن تُثمر دروس التحفيز مهما وُعِد فيها بالنجاح، فليس بمقدور الجميع أن يحقق كل شيء. وإن جلست لحظة تتأمل بعمق، ستدرك أن وراء كل شيء أسبابًا دقيقة ومقادير خفية، لا يستطيع العقل البشري إدراكها وتحليلها. فالعلم ليس أن تظن أنك ألممت بكل شيء، بل أن تعي أن ما تجهله أعظم مما تعرف.
إذا تأملنا القرآن ونحن نحمل في قلوبنا تلك الأسئلة المُحيرة، نجد أنه يصرّح بوضوح في مواضع عدة بأن خالق هذا العالم لم يشأ أن يهدي جميع الناس إلى الإيمان الحق. ومهما اجتهدت في التوجيه والنصح، فلن تهدي من اختار طريق الضلال. وكما هي الحال في سائر شؤون الحياة، كذلك في أمر الإيمان، فلا بد من التسليم بهذه الحقيقة.



