الذي ينبغي أن ننتبه إليه هنا هو أن القضية الإيمانية التي نتناولها ليست حادثة عرضية كحادث انقلاب مركبة، أو وفاة شخص، أو ظهور نمر، بل هي قضية أعمق من ذلك بكثير. إنها إيمانٌ بأن هذا الكون، بجميع ذراته وتفاصيله، لم يأتِ من عدم محض، إذ يستحيل أن ينبثق شيء من لا شيء، وإنما وُجد بإرادة خالق لا يسبقه العدم، ولا يدركه الخيال ولا يشبهه شيء، ويتجاوز الإدراك البشري. والسؤال هو: كيف نصل إلى هذا الإيمان؟ ومن الذي أخبرنا لنصدقه؟
الأمر ليس ببساطة أن نؤمن به كما يعلمنا المعلم الحرف "أ" أو كما نصدق بوجود مدينة واشنطن دي سي التي لم نرها، أو بوجود شخص اسمه جورج واشنطن الذي عاش في الماضي، أو كما نظن أن وجود حجرين على ورقة شجر يعلن أن شخصين قد أكلا وذهبا إلى المدرسة. ليس الأمر بهذه البساطة. بل يستدعي وقفة وتأملًا عميقًا. فماذا علينا أن نفعل؟
أولًا، لنعرض مثالًا بسيطًا: شاب وسيم أنيق بلغ سن الزواج، فقمنا بتجهيزه من كل النواحي: اغتسل، لبس ثيابًا جديدة، انتعل حذاءً فخمًا، ووضع ساعة ثمينة. وهو الآن على وشك الخروج. إلى أين؟ في هذه التفاصيل لا نشك لحظة، ولكن أين يظهر التردد؟ حين نفكر: هل هناك بالفعل فتاة مناسبة تنتظره؟ من هي؟ كيف تبدو؟ وما الذي يمنحنا كل هذا اليقين بوجودها؟
هذه هي، يا صديقي، حالة عقولنا! فعلى الرغم من الغوص العميق في التأملات حول الكون والطبيعة، لا يمكننا أن نتقبل فكرة أن كل هذا الوجود نشأ من لا شيء، كأنه قفز فجأة من العدم دون سبب أو خالق. لكن من خلال تنوع الخلق واتساعه، ومن خلال التأمل العقلي، نصل بيقين إلى أن هذا الكون لا بد له من خالق ليس كمثله شيء. هذه القناعة أشبه بمن خرج طلبا للزوجة. لكن تبقى الأسئلة الكبرى: إلى أين نسير؟ ما الطريق؟ من هو هذا ؟ كيف نعرفه؟ وبينما نحن غارقون في هذه التساؤلات الحائرة، واقفون في حيرة وذهول، إذا بشخصٍ يأتينا، وكأنه جاء يبحث عن العروس، فيقول لنا: "تعالوا، لقد جئت من أجلكم، وسأدلكم على الطريق."
من المؤكد أنه لولا مجيء مثل هذا الشخص وإرشاده، لما تمكن عقلنا المجرد، مهما بلغ من الإدراك، أن يصل إلى معرفة خالق الكون وصفاته تفصيلًا. وهنا يأتي من يضيء له الطريق ويرشده بنور الوحي، إنه النبي، الدليل الذي بعثه الله ليهدي العقول الحائرة إلى الحق المبين.
هذا هو الرسول الإلهي الذي يزيل عنّا كل شك واضطراب بشأن ربّ الكون، ويقدّم لنا البيان الواضح والتفصيل الشامل. وهو نبي مُنح علمًا غيبيًّا لا يتيسّر للناس العاديين، فإذا اجتمع هذا العلم مع الرسالة السماوية، استقرّ اليقين في قلوبنا، وزال كل شك أو تردّد.
ثم تبرز لنا شبهة جديدة: من أين أتى هذا النبي الكريم الذي يقول إنه رسول من عند الله بكل هذه المعلومات؟ فهل إذا جاء أحدهم وقال كلامًا ما، ينبغي للناس أن يصدقوه؟ وهل مجرد القول يكفي للإيمان به؟
أول ما ينبغي أن ندركه هو أن وجود أشخاص بين البشر يتمتعون بعلم غيبي لا يملكه عامة الناس، هل هو أمر معقول. نحن نعلم أن للإنسان خمس حواس يتلقى بها المعرفة، ومع ذلك فبين الناس من لا تعمل لديه إلا ثلاث أو أربع من هذه الحواس.
فالأصمّ لا يفرّق بين الأصوات، ولا يتذوق الموسيقى، ولا يستطيع الكلام لعدم سماعه الكلمات. ولو أن هذا الأصمّ أنكر وجود تغريد العصافير أو صياح الديكة، فإنّا لا نملك إلا أن نبتسم، لأن الواقع يُثبت عكس قوله، والطريق الذي أمامه أن يعتمد على من يسمع لإثبات ذلك.
وكذلك الأعمى لا يعرف ألوان الأشياء، فلا يدرك لون كفّه، ولا يرى الأخضر أو الأزرق أو البنفسجي، وإن أخبرته بها فلن يفهمها كما هي، مهما استخدم من عقل وتفكير. وليس له من سبيل لفهمها إلا أن يثق بمن يُبصر.
وبناء على ذلك، فإن الاعتقاد بعدم وجود حواس غير هذه الخمس، أو إنكار وجود عوالم لا تُدرك إلا بها، هو ضرب من السذاجة والجهالة.
فموجات الراديو مثلًا، لا تلتقطها حواسنا، وآذاننا لا تسمعها، لكننا لا ننكر وجودها لأن الأجهزة تثبتها وتحولها إلى أصوات نسمعها. وموجات الهاتف تمرّ من جانبنا دون أن نشعر بها، ولكن بمجرد تشغيل الهاتف، نسمع الصوت.
فلو كان في أجسامنا منذ الولادة أعضاء تلتقط هذه الموجات، لما احتجنا إلى الأجهزة، ولسمعناها مباشرة. وإن لم تكن لدينا هذه الأدوات أو الأعضاء، فليس من العقل إنكار تلك الموجات.
والسؤال إذًا: هل يوجد بالفعل أشخاص يمتلكون مثل هذه القدرات؟ الجواب: نعم، وسنبيّن ذلك لاحقًا.



