كيف نؤمن بهذا الأمر؟ أيمكن أن نُسلِّم بكل ما يُقال، لمجرّد أن القائل شخص موثوق، دون أن نطلب دليلاً أو براهين؟ هل المقصود أن نؤمن دون تروٍّ أو نظر؟ أهذا ما يُنتظر منا؟ وهل يصحّ ذلك؟
كلا! لا يجوز التسرّع في الحكم بهذه الطريقة! لا تنسَ أن مصداقية المتكلم قد تفوق أحيانًا فحوى الخبر نفسه. فالثقة التي نحملها تجاه من يتكلم، هي التي تمنح كلامه وزنًا واعتبارًا.
تخيّل أنك مغترب للعمل، وفجأة تتلقى اتصالًا من والدتك تخبرك فيه بخبر طارئ: ربما ابنك سقط وانكسرت ساقه، أو والدك يعاني من ضيق في التنفس، أو أن ضيوفًا من أهل زوج أختك زاروا البيت، أو أن الشرطة جاءت تبحث عنك.
هل ستشكّ في كلامها؟
الجواب الطبيعي: لا. لأن الأمهات – في العادة – لا يكذبن على أبنائهن، ولا يقلن كلامًا جزافًا. وهذه الثقة هي ما يجعلنا نصدّقها.
لكن مع ذلك، فالمسألة أعمق من مجرد الثقة؛ فالمتحدث صادق ولا شك في أمانته.
لكن الإشكال أن ما يقوله قد لا يُقبَل عقليًا أو لا يُستساغ ذهنيًا، فماذا نفعل حينها؟
هنا يكمن لبّ الموضوع. لقد كنت دقيقًا حين قلت: "لا يُقبَل عقليًا"، ولم تقل: "يُخالف العقل"، وهناك فرق كبير بينهما.
الآن أصبحت الصورة أوضح، ويمكننا المضي في التفصيل بفهمٍ أعمق.
هناك أمور يعجز الإنسان عن إدراكها بعقله أو بأدواته المحدودة، خاصة حين يتعلق الأمر بالغاية القصوى من وجوده، أو بما سيؤول إليه الحال بعد الموت، وغيرها من القضايا الوجودية العميقة.
فمثلًا، حين يُطرح السؤال: "ماذا بعد الموت؟"
قد يجيب بعضهم: "يُدفن، أو يُحرق، ثم لا شيء بعد ذلك."
لكن هذه الإجابة لا تحظى بالقبول لدى الجميع، لأنها لا تُرضي الفطرة، ولا تُجيب عن عمق التساؤل.
ولأن هذه المسائل تتجاوز حدود الإدراك البشري، فإنها لا تُعرف إلا من خلال الأنبياء الذين بلغوا قمة الطهارة في حياتهم، فكانوا هم المرجع والميزان في إيصال هذه المعاني الكبرى.
فمجيئهم كان لبيان مغزى الحياة الإنسانية ووجهتها، ولم يكونوا يومًا رسلاً لما يُناقض العقل أو يخالفه. بل لم يُنقل عنهم قط أنهم عرضوا على الناس ما يتصادم مع الفهم السليم.
بشكل عام، يمكننا تقسيم الرسائل أو المضامين المطروحة إلى أربعة أقسام:
1. ما يوافق العقل (معقول).
2. ما لا يُعقل (غير معقول).
3. ما يُخالف العقل (مخالف للعقل).
4. ما يتجاوز حدود العقل (فوق العقل).
أما القسم الأول، وهو المعقول، فلنتركه الآن وسنعود إليه لاحقًا.
أما غير المعقول، فهو ما لا يمكن للعقل قبوله أو تصديقه مطلقًا. ويمكن أن نفهمه بطريقتين:
الأولى: أن يكون مستحيلًا عقلًا، أي أنه من الأمور التي لا يمكن أن تحدث أبدًا، أو لا يجوز حدوثها، أو يستحيل منطقيًا وقوعها.
الثانية: أن يكون من الأمور التي نعلم يقينًا أنها لا تحدث في الظروف العادية أو في الواقع المعتاد.
وأما "ما يُخالف العقل" فلا يعني أنه لا يمكن أن يحدث، بل ربما يمكن أن يحدث، لكن العقل البشري في حالته الطبيعية لا يستطيع استيعابه، وبالتالي فإن أصحاب الفطرة السليمة لا يقبلونه.
أما "ما يتجاوز العقل"، فهو ما لا يمكن تصنيفه مباشرة على أنه غير معقول أو مخالف للعقل. وفي ذات الوقت، لا نستطيع أن نبيّن ونشرح منطقيته أو نسوق له دليلًا عقليًا واضحًا، لأنه فوق طاقة إدراكنا.
وأما المعقول، فهو غني عن البيان؛ لأنه من الواضح أنه ما يُقبل فورًا عند سماعه، ويتفاعل معه العقل والوجدان ويطمئن له القلب.
فلنُوضّح كل فكرة على حدة:
قد يقول أحدهم: "أنا رسول من عند الله، أليس واضحًا لكم صفاء حياتي ونقاؤها في الماضي؟ ألم أُرِكم من المعجزات ما يكفي لتطمئن قلوبكم؟ إذًا، صدّقوا بأن ٢+٢ تساوي ٣!"
فهل سمعتم يومًا نبيًّا يقول مثل هذا؟! أبدًا لا.....
أو يقول: "لتنالوا رضا الله، يجب عليكم أداء عبادة مخصوصة، وهي أن تقفوا باستقامة كاملة، كأنكم عصًا، وفي اللحظة نفسها، تسجدوا لله ساجدًا بكامل هيئتكم: تلمسون الأرض بالجبهة والكفين والركبتين والقدمين!"
فكروا قليلًا: هل يستطيع إنسان أن يكون واقفًا باستقامة وساجدًا في آنٍ واحد؟
هل يمكن لشخص أن يكون مستلقيًا بالكامل، وفي الوقت ذاته جالسًا تمامًا؟!
ليس الحديث عن الوضعية الوسطى بين الجلوس والاستلقاء، بل عن كونه في الحالتين معًا، تمامًا، وفي اللحظة نفسها.
وقد يقول: "قوموا بعمل عبادي في لحظة هي ليل ونهار معًا!"
هل يوجد وقت كهذا؟
هل يُعقل أن يكون في المكان نفسه، في الوقت ذاته، ضوء النهار الساطع وظلام الليل الدامس؟
وليس المقصود لحظة الفجر أو الغروب، بل أن يكون المكان نفسه مضاءً بضوء الشمس، ومظلمًا كسواد الليل، في اللحظة ذاتها.
فإن قال نبيٌّ بهذا، فماذا سنفعل؟
أو يقول: "من أجل الله، ابنوا مثلثًا دائري الشكل!"
أو: "ارسموا دائرة مربعة الشكل!"
أو يأتي نبي بفيل ضخم، وفي يده زجاجة صغيرة، ثم يقول: "سنسير إلى الجنة معًا في طريق الله، ولكن عليكم أن تُدخلوا هذا الفيل في هذه الزجاجة، دون أن تُصغّروا الفيل أو تُكبّروا الزجاجة!"
هذه كلها أمور مستحيلة عقلًا، لا يقبلها منطق ولا يقرّها عقل.
فمهما بلغ النبي من الصدق، ومهما أظهر من المعجزات، إن جاء برسالة من هذا النوع، فلن نستطيع قبوله أبدًا.
ولا شكّ حينها أننا سنقول – بكل احترام –:
"عذرًا، لكن هذا طريقٌ لا يمكننا السير فيه معك."
الأمر الثاني المترابط مع ما سبق هو أن وصفه بالمستحيل عقليًا غير دقيق، لكنه بحسب التجربة المعتادة يبدو كأنه مستحيل بالفعل.
تأمل هذا المثال:
افترض أن رجلًا ادعى النبوة، وتوفرت فيه كل الصفات النبيلة.
ثم جمع الناس عند سفح جبل عظيم، وصعد إلى قمته، وقال لهم:
"سأنقلكم جميعًا إلى الجنة، لكن عليكم خلال ثلاث دقائق أن تقتلعوا هذا الجبل وتحملوه إلى هناك."
فكروا جيدًا.
كما قلنا سابقًا، لا يصح أن نوصفه بالمستحيل العقلي، لكن لا يمكن للعقل أن يتقبله بسهولة، وهو من الأمور التي لا تقع في العادة.
حتى لو استُخدمت تقنيات فائقة، فاحتمال تحققه قريب من الصفر المتكرر مرارًا. ومع ذلك، لا يعد مستحيلًا عقليًا، لكنه بحسب التجربة أمر غير متصور.
مثال آخر: لو قال أحدهم إنه سيبني سكة قطار في قمة جبل كثيف الغابات لا طرق فيه، وتبدأ القطارات العمل فيه مع شروق الشمس، فذلك داخل في نفس الباب.
مثل هذه الأمور لا يذكرها الأنبياء ولا يأمرون بها أتباعهم.
والآن لننتقل إلى الأمور المنافية للعقل. وهي، كما أُشير سابقًا، ليست من المستحيلات، بل مما يمكن فعله عمليًا. ولكن لا عاقل يقبل بها. سيستهزئ الناس قائلين: ما هذا الكلام السخيف؟
تخيّل نبيًّا يخرج إلى الناس قائلًا: عليكم أن تقدّموا نصف محاصيلكم الزراعية هذا العام لله. اجمعوها في ساحة، كوّموها كتلًا، ثم اسكبوا عليها البنزين وأحرقوها حتى تصير رمادًا، ثم اجمعوا الرماد واسكبوه في النهر… فوو!
أو يقول: يجب أن تقدموا ربع ماشيتكم لله. احفروا حفرة كبيرة، واذبحوا جميع رؤوس الأبقار وألقوها فيها، دعوها تتعفن وتفوح منها الروائح الكريهة، فيرضى الله عنكم.
أو يقول: اجمعوا عشر مدّخراتكم على هيئة رزم من النقود، ثم ضعوها في أكياس ضخمة، واربطوها بصخرة كبيرة، واغمروها في البحر. ليرضَ الله عنكم!
أو أن هناك يومًا مخصصًا في العام، وفيه يجب أن تقطعوا أصابع أولادكم لتسكبوا دماءهم على الأرض.
كل هذه الأمور لا يمكن لمجتمع عاقل ومتحضّر أن يقبل بها. لذلك نرفضها بمجرد سماعها، مهما بلغ قائلها من الطهارة والقداسة.
والآن ننتقل في نقاشنا إلى ما يُعرف بالأمور فوق العقلية. ويجب الانتباه هنا: كما أُشير سابقًا، لا يُقصد بها الأمور المستحيلة، أو ما لا يمكن أن يقع في العادة، أو ما لا يمكن لمجتمعٍ عاقلٍ ومتحضّر أن يقبله.
بل المقصود بها هو ما لا يمكننا نحن، من خلال عقلنا، أن نُدرك المنطق الدقيق الذي يقف خلفه. لكن لا يعني ذلك أنها مخالفة للعقل أو مستحيلة الحصول، فلا يصح رفضها بهذا المعيار.
قد تكون هذه الأمور، أحيانًا، عبارة عن وقائع معينة غير مألوفة، وأحيانًا أخرى قِيَماً افتراضية أو رمزية، تتعدد مظاهرها ودرجاتها. وهي ليست حكرًا على العقائد الدينية، بل نجد أمثلة عليها خارج دائرة الإيمان أيضًا.
فمثلًا: الطعام الذي يحصل عليه الجائع يُعدّ بالنسبة له شيئًا ذا قيمة ونافعًا. كذلك الأرض، أو المركبة، أو المباني: كلها أشياء قابلة للتقييم بناءً على فائدتها العملية.
لكن، بالمقابل، نرى أن بعض قطع الورق تكتسب قيمة كبيرة! مثل الأوراق النقدية (العملة) التي تُصدرها دولة ما، بتصميم معيّن وبقيمة اعتبارية محددة. وهذه القيمة لا تتعلّق بذات الورقة، بل تُمنح لها بموجب قرارٍ قانوني واعتباري، ولمدة زمنية محددة. فإذا سُحب هذا الاعتراف، عادت الورقة إلى طبيعتها مجرّد ورقة لا قيمة لها.
وكذلك هو الحال مع العلم الوطني: بمجرد قصّه وخياطته بألوانٍ معيّنة وضمن أبعاد مخصوصة، يُصبح شيئًا ذا رمزية ومهابة في ذلك البلد. لكن هذه العظمة والرمزية لا تنبع من ذات القماش، بل من الاعتبار الرسمي والاتفاق الرمزي الذي يُمنح له.
ولا معنى لأن نُجري عليه تحليلًا علميًا: لماذا هذا اللون بالتحديد؟ لماذا هذا الحجم؟ ماذا سيحدث إن غيّرنا الشكل أو الحجم؟ لأن كل هذا يدخل ضمن مجال الرموز والتمثيلات، حيث لا تكون الحقيقة من النوع الذي يخضع للمنطق الحاسم.
وهكذا، الأمثلة كثيرة، وكل الناس تقرّ بمثل هذه الأمور وتقبلها ضمن إطارها ومجالها.
مثل هذه الأمور قد نقلها الأنبياء على هيئة رسالات سماوية.
فعلى سبيل المثال، إذا بلغ مالك مقدارًا معينًا واحتفظت به لمدة سنة، فعليك أن تدفع منه 2.5٪ كصدقة واجبة توزع على الفقراء، وهذا ما بلّغه النبي كتعليم ديني.
ويجب أن تتذكر أن المقصود ليس لفّ الأوراق النقدية وربطها بالحجارة ثم رميها في النهر!
وكذلك، إذا بلغ عدد ما تملكه من الماشية حدًا معينًا، فعليك أن تقدم منها عددًا محددًا كصدقة للفقراء، وهذا توجيه ديني.
وإذا بلغت محاصيلك الزراعية قدرًا معينًا، فعليك أن تخرج منها كمية محددة للفقراء – وهذا تعليم نبوي.
والمقصود ليس جمع المحاصيل في الحقول وسكب الزيت عليها وإحراقها!
وعندما يحلّ يوم معين من السنة، فإن ذبح الماشية وتوزيع لحومها على الفقراء هو رسالة دينية، وليس المقصود ذبح الحيوانات بلا نظام ورميها في حفرة.
قد يتساءل بعضهم: ألم يُؤمر النبي إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل؟
لكن لا يكفي سماع هذا الجزء فقط، بل لا بد من التوجه إلى الصورة الكاملة للحادثة.
ماذا حدث بعدها؟
كيف تحوّل ذلك إلى رمز غذائي؟
كم من الزمن استمرت ظاهرة تقديم القرابين البشرية؟
وكم من الأطفال تمّت التضحية بهم؟
يجب أن نأخذ كل ذلك بعين الاعتبار.
وفوق كل شيء: متى مات إسماعيل؟
وماذا حدث لجثمانه؟
ينبغي أن نفتح أعيننا ونقرأ التاريخ بوعي.
لم يحدث أبدًا في التاريخ أن تم ذبح إسماعيل.
وما جرى كان مجرد نموذج سامٍ يُظهر للعالم قدرة الإنسان على الثبات أمام الابتلاء.
هناك من ينظرون دائمًا إلى الأسفل، إلى الجذور فقط. ثم يشعرون بالحزن هكذا: "يا للبؤس! دائمًا الرأس مدفون تحت التراب. لا ضوء هناك، لا هواء، لا زهور، لا فراشات، بل هو مجرد مسكن مظلم في باطن الأرض!"
لكن لا بد أن نفهم حقيقة أن هذه الجذور هي جزء من الشجرة، وأن الشجرة لا تكون شجرة مكتملة إلا عندما تمتد بعض أجزائها كالأغصان إلى الخارج، وأخرى كثافتها في المنتصف كالساق، وأخرى كالجذور إلى داخل الأرض.
ليس هذا فحسب، بل يجب أن نُدرك أن الجذور لا تعاني من أي حزن أو ألم أو مشقة كما يذرف البعض الدموع، بل هي مخلوقة ومهيأة بطبيعتها للعيش تحت التراب.
إذا دعاك أحدهم إلى بيته وقدم لك صحنًا مليئًا بالشوك، فبلا شك سيكون ذلك مؤلمًا.
ولكن بالنسبة لجِمال الصحراء، فإن مثل هذه الأشواك تُؤكل كما نأكل نحن الشوكولاتة. لأن أجسامها، وأجهزتها الهضمية، وكل عملياتها الحيوية مصممة لذلك النوع من الطعام.
قد يعترض أحدهم على الأمثلة السابقة قائلاً: "أليست هذه أمورًا غير معقولة؟"
فمثلًا، إذا كان الشخص يريد أن يُخرج زكاة مفروضة، فعليه أولًا أن يبلغ ماله مقدارًا معينًا، ولنقل مثلاً 65,000 روبية – كمثال افتراضي – ولا يكفي ذلك، بل يجب أن يحتفظ بهذا المال مدة سنة كاملة، وبعدها عليه أن يخرج 2.5% فقط.
فلماذا تحديدًا 65,000؟ لماذا لا يكون 40,000 كافيًا؟ أو لم لا يكون 85,000؟
ولماذا مدة سنة؟ ألا تكفي ثمانية أشهر؟ أم هل يجب أن تكون سنة ونصف؟
ولماذا 2.5% بالتحديد؟ أليست هذه النسبة مرتفعة قليلاً؟ ألن تكفي نسبة 1.5%؟ أم في هذا العصر، ألن يكون من الأفضل إخراج 3.5% على الأقل؟
نحن لا نملك أي صلاحية للتدخل في هذه الأمور.
نقولها بوضوح: مثل هذه تشريعات دينية يتم تحديدها من طرف واحد.
إذا تأملنا في تفاصيل هذه المقادير والفترات، قد تظهر لنا بعض المعاني العميقة، لكن لا يمكننا أن نثبت بشكل قاطع ومنطقي العلاقة بين السبب والنتيجة بحيث نقنع شخصًا آخر بها بشكل حصري.
ومع ذلك، عندما نفحص كل واحدة منها، لا يمكننا الادعاء بأنها ضد العقل.
بل إن نتائج هذه التعاليم الدينية تكون غالبًا نافعة وفعّالة وذات أثر إيجابي واسع على المجتمع.
قد تبدو بعض الرسائل الدينية في ظاهرها أبعد ما تكون عن المنطق. ولكن عند التأمل في كليّتها ونتائجها اللاحقة، يمكننا أن نفهم ما فيها من حكمة وعقلانية. ففي زمن قاسٍ يُقتل فيه الأطفال بلا رحمة، تتلقى أمٌّ وحيًا إلهيًا يأمرها بأن تضع طفلها في صندوق وتُلقيه في النهر!
ما هذه القصة؟! أليس من "الأفضل" أن يأتي الجنود ويقتلونه بضربة واحدة وينتهي الأمر؟ أما في الماء، فكم من الأخطار تترصد به؟! قد يغرق، أو يختنق، أو تهاجمه الأسماك... لا يمكن حتى تخيل ذلك!
لكن، كما ذكرنا سابقًا، لأن مصدر هذا الأمر الإلهي كان موثوقًا للغاية، فإن تلك الأم فعلت ما أُمرت به. فوصل الطفل إلى القصر نفسه الذي يصدر الأوامر بقتل الأطفال. وفي مفارقة مذهلة، تربّى هذا الطفل الملكي في دار من أمر بقتله، وأصبح في النهاية هو من أزال بطشه وخلّص الناس من ظلمه.
علينا أن نقرأ قصة موسى وفرعون.
من الذي يضعف إيمانه، ينظر إلى الرسائل الإلهية بعين الشك والاستهزاء. في زمن مضى، وقعت جريمة قتل في أحد المجتمعات القديمة، وكان لا بد من الكشف عن القاتل. فجاء الوحي الإلهي يأمرهم بذبح بقرة، وأخذ جزء منها وضرب القتيل به. للوهلة الأولى، يبدو الأمر غير منطقي! لكن لم يكن المستمعون وحدهم من انتابهم هذا التساؤل، بل حتى القوم آنذاك شعروا بالحيرة نفسها. فأخذوا يسخرون، ويطرحون أسئلة كثيرة حول البقرة. ومع ذلك، جاءهم الجواب عن كل سؤال، وكلما تعمقوا في الأسئلة، ازداد الأمر تعقيدًا، لأن البقرة المطلوبة كانت ذات صفات نادرة يصعب توفرها.
وراء هذه القصة، قصة أخرى خفية. كان هناك رجل صالح، يعيش مع زوجته وابنه، وكان فقيرًا لا يأكل إلا من الحلال. وعند وفاته، ترك بقرة، بينما كان ابنه لا يزال صغيرًا. فاحتارت الأم لمن تترك هذه البقرة.
لكنها وثقت بالله الخالق، فأطلقتها في البرية. وعندما كبر الابن، أخبرته والدته بالقصة، فنزل إلى الوادي، ودعا الله بإخلاص، فرد الله إليه البقرة.
أما أولئك الذين كانوا يبحثون عن بقرة وفق ما أمر به نبي الله موسى، فقد انتهى بهم الأمر إلى تلك البقرة بالذات. وهكذا شاءت الأقدار أن تتجه الأمور في هذا المسار.
لقد وجدوا بقرة تنطبق عليها كل الصفات المطلوبة، براقة كأنها مكسوة بالذهب. فاشتروها بوزنها ذهبًا.
ثم، كما أُمروا، ذبحوها، وأخذوا جزءًا منها وضربوا به جسد الميت، فنطق القتيل باسم قاتله.
لا ينبغي أن نعتبر شيئًا غير منطقي أو مخالفًا للعقل لمجرد أننا لم نفهمه ظاهريًا أو من الخارج. وهذا ما توضحه قصة الحوار بين الخَضِر وموسى كما وردت في القرآن الكريم، فقد تبدو تصرفات الخَضِر في ظاهرها غير عقلانية، لكن مع نهاية القصة تتضح لنا الحكمة الكامنة خلف كل فعل. وتُعرف هذه الفكرة أحيانًا بـ"نظرية النِّيلِكَة"، حيث يبدو الطعم مرًّا في البداية، ثم يتحول تدريجيًا إلى مذاقٍ حلو. فالكثير من الأمور التي يُخبر بها الكبار الصغار قد تكون مُرّة عند سماعها، لكنها ليست بلا منطق، وعندما يكبر الطفل، يُدرك أنها كانت لصالحه.
بدأ النبي محمد ﷺ دعوته العلنية عندما صعد جبل أبي قُبَيس في مكة، وبدأ ينادي الناس بما أوحي إليه من الله. وكان أول ما بدأ به سؤالًا يثير التفكير: "لو أخبرتكم أن خلف هذا الجبل جيشًا من الفرسان يستعد للهجوم عليكم، هل تصدقونني؟" فلم يشكّ أحد من الحاضرين في صدقه. وبعدها مباشرةً بدأ يُعلن رسالته، لكنها لم تلقَ القبول من الجميع.
كانت مكة آنذاك مركزًا دينيًا مشهورًا، يتوافد إليها الحجاج من مختلف أنحاء البلاد لعبادة الأصنام المنصوبة فيها. وكان هذا التوافد المستمر سببًا في ازدهار اقتصادي لتلك المدينة. فجاء الإعلان: "لا تسجدوا للأصنام التي صنعتموها بأيديكم، بل اسجدوا فقط لله الواحد الذي خلقكم"، وكان هذا الإعلان في حقيقته ضربة قوية للنظام الاقتصادي القائم في مكة.
تأملوا الأمر في زمننا هذا: لو أن أحدهم صعد جبلًا في مدينة مكاوو (macau city)، وأعلن أن لا مكان بعد الآن للفساد، ولا للزنا، ولا للرقص والمجون، بل يجب على الجميع الالتزام بالفضيلة والأخلاق، كيف سيكون وقع هذا الإعلان؟ الإعلان الأول الذي انطلق من جبل أبي قُبَيس، نراه يمتد حتى يصل إلى خطبة وداع النبي ﷺ في سهل عرفات. وبين البداية والنهاية، حين نرى رايات النصر التي حققتها هذه الرسالة، ندرك تمامًا مدى واقعية هذه الرسالة الإلهية وعمق تأثيرها.
لن أزيد شيئًا. خذ أنت زمام المبادرة، وادرس بنفسك إعلان أبي قُبَيس، وخطبة عرفات، وكافة مراحل نشر الرسالة بما فيها من أحداث عظيمة، من دون أي حكم مسبق. حينها ستدرك بنفسك مدى العقلانية والصدق التي تميزت بها هذه الرسالة التي بلغها نبيٌ أمين.



