هذا سؤال رائع وفكرة جذابة، غير أن تطبيقها على أرض الواقع يفتح أبوابًا من التعقيد، فالبشر يختلفون في أفكارهم واحتياجاتهم، وتجاربهم تتفاوت بين ربح وخسارة، فرح وحزن، حب ويأس، حرب وسلام. وعلى مدار التاريخ، ظل الإنسان يبحث عن أجوبة لأسئلة الوجود، ومعنى الحياة، والموت وما بعده. وبسبب هذا التنوع في العقول والتجارب، فإن تخليق دين عالمي شامل للجميع ليس إلا وهماً.
المجتمع الإنساني ساحة ممتلئة بالرغبات المتناقضة، والمعتقدات المتباينة، والرؤى المختلفة. ما يراه أحدهم مقدسًا قد يراه غيره شيئًا تافهًا، وما يعدّه البعض أمرًا جادًا يراه آخرون ضربًا من السخف. وفي ظل هذا التنوع العميق والاختلاف الجذري في العقول والقلوب، فإن السعي لتكوين دين شامل يوحّد الجميع لا يتعدى كونه حلمًا بعيد المنال، ومحاولة أثبت التاريخ مرارًا فشلها، لأن البشر لا يتشابهون في رؤاهم ولا في احتياجاتهم.
يمكن اختلاق القصص والروايات التي تمنح الإنسان الراحة والمتعة والسعادة. وأيضا يستطيع البشر أن يضعوا أنظمة للمؤسسات أو لوائح للشركات أو دساتير للدول، ويُدرجون فيها بنودًا تسمح بالتعديل حسب الحاجة والظروف. لكن تشريعًا ينظم حياة البشرية جمعاء، على اختلاف أزمانهم وأماكنهم وثقافاتهم، لا يمكن أن يكون بهذه البساطة، لأنه يتطلب علمًا محيطًا بطبيعة الإنسان وحاجاته وتقلباته، وهو ما لا يملكه الإنسان بنفسه.
فمثل هذا التشريع لا يمكن أن يصدر إلا من جهة تعرف الإنسان أكثر مما يعرف نفسه. إذا تأملنا في الأسس الأخلاقية الحسنة القائمة في مختلف الشعوب والثقافات حول العالم سندرك أنها من صنع من يعرف الإنسان حقّ المعرفة. أما لو أوكل وضع الشريعة للإنسان نفسه، لما توقفت النزاعات والخلافات حولها حتى اليوم، لأن البشر أصحاب مصالح مختلفة وأهواء متضاربة.
خذ مثلاً مسألة شرب الخمر، فهي رغم ما قد تمنحه من نشوة مؤقتة وتغييب للعقل، فإن ضررها على الجسد والعقل والمجتمع لا خلاف فيه. فهل تتوقع أن يطالب الناس عند وضع القوانين بكتابة بند ينص على: "يُمنع شرب الخمر تمامًا"؟
تذكّر أن تجارة الخمور على مر العصور كانت من أكبر الصناعات ربحًا، وأصحابها لا يعنيهم صحة الإنسان أو أمن الأسرة أو صلاح المجتمع، بل ما يهمهم هو الربح فقط. وقد كانت شبكات تجارة الخمر والمخدرات نشطة في كل زمن، وتطورت أشكالها وقوتها مع الوقت، وتجددت أساليب بيعها، حتى وصلت اليوم إلى المدارس، وها نحن نرى أبناءنا يدمنون لها تدريجيًا.
عندما يجتمع الناس لوضع القوانين، قد يرتفع صوت البعض ضد الخمر، لكن في المقابل هناك قوى اقتصادية كبرى قادرة على إسكاتهم. ولا أحد يستطيع مواجهتهم إلا صوت فوق بشري يقول بثبات: ""فاجتنبوه لعلكم تفلحون!".
ومثل ذلك تمامًا مسألة الزنا والدعارة، فهناك من يزينها ويعطيها مسميات براقة كـ"العمل الجنسي"، وهناك من يروج لها ويكسب منها المليارات، ولا يُنظر إلى المرأة إلا كسلعة للعرض والطلب. في زمن كهذا، حيث تُقلب المفاهيم وتُشرعن الانحرافات، هل يُعقل أن يتوافق الناس على وضع دين شامل يُرضي الجميع؟ إن هذا لا يعدو كونه وهماً بعيداً، بل خطأ فادحًا في فهم طبيعة الإنسان ومصالحه المتضاربة.
تُستغل أجساد النساء في الخفاء كوسيلة تسويق خفية وراء كثير من المشاريع الفاخرة حول العالم. ولا يقتصر الأمر على شبكات الدعارة الكبرى، بل يشمل أيضًا شخصيات بارزة تبدو محترمة في العلن، لكنها تجد متعتها في تلك الأماكن المظلمة، وقد يقفون في وجه من يعارض هذا هذا التشريع بمنع الزنى. فلا بد أن يصدر هذا التحذير من مصدر منزّه عن كل الرغبات، لا تميله الأهواء، ولا تغلبه الضغوط، ليقول بكل حزم وجلاء: "ولا تقتربوا الزنا".
تأمّل في أمر الربا! لقد أصبحت الأنظمة الاقتصادية العالمية قائمة عليه، وعقلية المرابي لا تعرف الرحمة، فهي كمن يقطع اللحم بلا شفقة. في أعماق هذا النظام يختبئ جشع المال الذي لا يُروى. مهما تمّ تزيين الربا بالكلمات البراقة، فإنه في الواقع يزيد الغني غنىً والفقير فقرًا. والتصدي لهذا السرطان لا يقدر عليه الإنسان بمفرده، بل لا بد من صوتٍ أعلى من البشر يعلن بقوة: "الربا محرّم".
لسنا بحاجة إلى تفصيل كل نقطة على حدة، فمجرد التأمل في أعماق نفوسنا يكفي. ألسنا نحمل بين جوانحنا رغبات جامحة وأفكارًا نخجل من البوح بها؟ أليس في داخل كل إنسان زوايا مظلمة يختبئ فيها ما لا يرضى أن يراه أحد؟ لولا وجود القوانين الرادعة والضوابط الأخلاقية الصارمة، لما استقامت الحياة.
تخيّل لو أوكلنا لتلاميذ المدرسة مهمة تحديد كيفية عمل المدرسة: متى تبدأ، ومتى تنتهي، ومتى تكون الحصص، وأي الأيام فيها دوام وأيها عطلة؟ أطفالنا الذين يسارعون بالاتصال بالمسؤولين لمجرد رائحة مطر أو ظل غيم ليسألوا عن تعليق الدراسة، كيف سيكون الأمر لو كانوا هم من يضع نظام المدرسة؟!
لذلك، لا يليق أن تأتي القوانين المنظمة لحياتنا منّا نحن البشر، بل يجب أن تأتي من مصدر أعلى منا. ويجب ألا تكون هذه القوانين مجرد تعليمات جافة تنظم الحياة اليومية، بل لا بد أن تكون منظومة عقائدية مقدسة تعالج أعماق الحياة وأسرارها، لا أن تكون كيانا هشًّا يتغير بتغير الزمان والمكان، بل أن تكون راسخة، قوية، وشاملة.



