الذي ينبغي أن نفهمه بعقل راجح وتمييز أن الناس ليسوا سواء في كل المستويات، وليس كل أحد قادرًا على التفكير العميق واكتشاف الطريق المستقيم بنفسه. وهذا لا يختص بأمور الدين فحسب، بل نرى حتى في شؤون الحياة البسيطة أناسًا يفتقرون إلى آخرهم. فهل يصح أن نقول إن من بقي على الدين الذي وُلد عليه، دون بحثٍ ذاتي، ليس على صواب؟.
الحصول على شيء بالوراثة أو بسبب البيئة العائلية لا يُفقده قيمته أو يجعله خاطئًا. تأمّلوا في فتاة وُلدت لأبوين جميلين، فنشأت فائقة الجمال. تقدم شاب وسيم لخطبتها وقال لها: "أليس جمالك هذا موروثًا من والديك؟ فلو كانا قبيحين، كيف كنت ستبدين؟ عندها لما تزوجتك!" هل تتصورون أنه سيقول هذا؟ طبعًا لا، لأنه هو أيضًا وسامته من أجداده، لا من صنعه.
ينشأ ابن الأثرياء في بيئة ثرية، وتتهيأ له أسباب الرفاهية والتقدّم، فهل يُلام على ذلك لأنه وُلد غنياً؟ وعندما يشارك في مؤتمر دولي، هل يعاتبه أحد قائلاً: "أهذا فخر بما نلته من والديك؟" بالطبع لا.
لماذا نُطيل الحديث؟ خذ مثالًا على شخص ملحد يرفض جميع الأديان، ويرى أن الإلحاد وحده هو الحق المطلق، وبطبيعة الحال ينشأ أولاده وأحفاده على هذا الاعتقاد نتيجة نشأتهم في بيئة تؤمن بذلك. فهل يقول يومًا: "بما أنني ورثت هذا المعتقد، فهو إذًا باطل"؟ بالطبع لا. بل يتمسك به، بل ويدافع عنه بكل قوة، دون أن يشكك فيه لمجرد أنه وُرّث له. إذًا، فالمعيار الحقيقي ليس كيف وصل إليك الحق، بل إنما هو في كونه حقًا في ذاته. كما أن الخطأ يبقى خطأ مهما كانت وسيلة الوصول إليه.
فلو أن شخصًا بحث واجتهد واعتقد أن السيانيد دواء للفتق، فتناوله لتجنب الجراحة، لم يتعافَ من الفتق فحسب، بل انتهى به الأمر إلى الموت الأبدي.
شخص وقع في أزمة مالية أو نفسية، وبعد تفكير عميق توصّل إلى أن الحل الأنسب هو الانتحار. فالمشكلة ليست في غياب التفكير، بل في أن النتيجة التي توصّل إليها كانت خاطئة. أما لو ورثته النتيجة التي بلغها تمثل الحقيقة المطلقة، وكان قد اقتنع بها عن وعي وتأمل، لكانت هي الأفضل له.
أليس هناك احتمالان آخران؟ أحدهم ليس على الحق المطلق، لكنه لم يُفكر في الأمر أصلًا. أو أنه فكر بعمق، لكنه اقتنع بأن ما هو عليه هو الحق. فماذا نفعل حينها؟ كما أُشير سابقًا، فإن الغالبية لا يتأملون أصلًا في ما إذا كانوا على الحق المطلق أم لا.
أحيانًا يرغب الإنسان في الوصول إلى هدف معين، كأن تكون الجامعة تبعد عنه 200 كيلومتر غربًا، لكنه يظن - نتيجة اجتهاده الخاطئ - أنها تقع شرقًا، فيسير في الاتجاه المعاكس، ولن يصل أبدًا، بل يبتعد أكثر فأكثر.
فما القول في ذلك؟ القول إن هذه الحياة لا تتيح للجميع تحقيق كل شيء. فمنهم من ينجح ويتقدم، ومنهم من يتعثر ويتراجع. من يثرى من تجارته، ومن يخسر كل ما لديه. من يحافظ على صحته ويعيش قويًا، ومن يمرض ويلازم فراشه. لماذا؟ هذه تساؤلات قد لا يجيب عنها العلم أو المنطق، لكن الروحانية تمنح السكينة والإجابة. وإن الله سافسرك قريباً.



