ما حدث أول مرة في التاريخ لم يكن أنهم فحصوا الفكرة ثم قبلوا صاحبها، بل نظروا إلى صاحب الفكرة، ومن خلال صدقه أدركوا صدق ما جاء به. فجميعنا يعلم أن أول ما نزل من القرآن كان قول الله تعالى: «اقرأ!» وهي كلمات تفتح آفاقًا من المعرفة.
ولو نظرنا إلى هذه الآيات من حيث المضمون، فهي تحمل تعليمًا ذا مستوى عالمي وصلة دائمة بالأزمان، وتصلح للتلاوة والشرح في أي مجلس أو مؤتمر. لكن، ماذا حدث عند نزولها أول مرة؟ هل جلس أوائل المسلمين—كخديجة، وأبي بكر، وعلي، وزيد، وأم أيمن، وبلال رضي الله عنهم—يفكرون في معانيها ويتأملونها، ثم قرروا تصديقها؟ لم يكن الأمر كذلك. بل إنهم صدقوا مباشرة لأن من قالها هو محمد ﷺ. لم ينظروا إلى "ما قيل"، بل إلى "من قال"، فآمنوا به دون تردد.
وهذا يدلّ على مدى عمق شخصية النبي محمد ﷺ وصدقها، حتى تماهت مع أرواح أصحابه وآمنوا به من غير تردد، لما عرفوه من سموّ خلقه ونقاء سريرته.
عندما سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها لاحقًا عن خُلق النبي ﷺ، أجابت: "كان خُلُقُه القرآن". وهذا لا يعني أن النبي ﷺ قرأ القرآن ثم اكتسب منه الأخلاق الحميدة وتطبع بها، بل على العكس، فقد كان يحمل تلك الأخلاق في ذاته قبل نزول القرآن، وكأن القرآن تجسَّد في شخصه قبل أن ينزل على لسانه. ويشهد على ذلك شهادة زوجته خديجة رضي الله عنها، التي كانت أول من احتضنه وسنده.
فالنبي ﷺ عاد من الغار خائفًا ومرتجفًا وقد أصابته الحمى بعد أول لقاء مع الوحي. كان ﷺ رجلًا ناجحًا في التجارة والنشاط المجتمعي، لكنه انزوى عن ذلك واعتزل في الجبل للعبادات. أما زوجته خديجة رضي الله عنها فكانت تاجرة ذكية. وكان ﷺ، حين يخرج في مهمة تجارية لها، يعود بأرباح مضاعفة. ومع هذا، حين عاد هذا اليوم وهو مرتعد من الخوف بعد تجربة غامضة في الجبل، لم تواجهه خديجة بما قد يتوقعه المرء من شخص عادي.
كان يمكنها أن تقول له: "في الوقت الذي كان عليك كسب بعض المال، صعدت إلى الجبل وعدت خائفًا! لا أفهمك! افعل ما تشاء، اصعد مجددًا إلى تلك القمة حيث لا أحد يراك!"—. (يمكنك أن تتخيّل كيف سيكون ردّ فعل زوجتك إن خرجتَ لأمرٍ لا تُبدي هي فيه أيّ اهتمام، ثم عدتَ بنتيجةٍ مريرة بسبب ذلك. فما الذي يمكن توقّعه من ردّها؟)
لكن خديجة رضي الله عنها كانت أعظم من ذلك بكثير. لقد كان ردها ناضجًا مطمئنًا، ووقفت بجانبه بكل حنان وثقة. وهذا ما يرويه الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري:
رجع النبي ﷺ إلى خديجة وقال: "زملوني، زملوني!" فزملوه حتى ذهب عنه الروع، وقال: "يا خديجة، ما لي؟ إني خشيت على نفسي". ثم قصّ عليها ما حدث له. فقالت له: "كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتقرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق".
ثم ذهبت به خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان قد اعتنق النصرانية في الجاهلية، وكان يكتب بالعربية ما شاء الله أن يكتب مما علمه من الإنجيل. وكان شيخًا كبيرًا قد عمي بصره.
فقالت له خديجة: «يا ابن عمي، اسمع من ابن أخيك».
فقال له ورقة: «يا ابن أخي، ماذا رأيت؟»
فأخبره النبي ﷺ بكل ما رآه.
فقال له ورقة: «هذا هو الناموس الذي أنزله الله على موسى، ليتني أكون حيًّا حين يخرجك قومك».
فقال له رسول الله ﷺ: «أوَ مخرجيَّ هم؟»
قال ورقة: «نعم، ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عُودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا».
ثم لم يلبث ورقة أن تُوفي، وفَتَر الوحي فترة، حتى حزن النبي ﷺ حزنًا شديدًا.
ألم تلاحظ ذلك جيدًا؟ إن السيدة خديجة رضي الله عنها، لم تسأل النبي ﷺ عن تفاصيل الرسالة أو مضمون الوحي الذي أتاها به المَلَك، ولم تتوقف عند أول الأمر الذي سمعه، أو تحاول تحليل الكلام ومراجعته عقلانيًّا. لم تقل: "هل هو عن القراءة؟ أم عن الكتابة؟ أم عن القلم؟" بل تجاوزت كل ذلك وقالت بيقين: "كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا."
فهي لم تحتج إلى فحص الرسالة، لأن شهادة شخصه كانت كافية. لقد رأت فيه من الصفات ما يجعل نزول الوحي عليه أمرًا طبيعيًّا: يصل الرحم، يصدق الحديث، يحمل الكلّ، يكسب المعدوم، يكرم الضيف، ويعين على نوائب الحق. فمثل هذا الإنسان لا يمكن أن يُخذل، ولا يُترك. لقد استندت في تصديقها إلى نقاء ذاته، لا إلى محتوى الرسالة.
يبقى السؤال: لماذا ارتجف النبي عند نزول الوحي؟. فالجواب لم تعد المشكلة في مضمون الرسالة التي يجب تبليغها للناس، بل في أنني أنا من كُلّف بحملها إليهم، فهل سيُصدقونني أم سيُعرضون عني؟
فلنتأمل هذا المشهد من زاوية النبي ﷺ. تخيّل أنك أنت من كُلِّف بهذه الأمانة، تسير بخطًى ثابتة نحو باب جارك، وهو صديقك الحميم، الذي ربطتك به أربعون سنة من الصحبة، تعرفه ويعرفك، لا أسرار بينكما. لكن كيف تبدأ؟ كيف توصل إليه هذه الحقيقة؟ يا الله، أي قلبٍ يتّسع لهذا الموقف؟ تخيّل اللحظة بكلّ ما فيها من ارتباك وثقل.
ثم تقول له: "أتيت إليك بخبر جلل. إن الله الذي خلقك وخلقني، وبسط السماوات ورفعها، وأجرى الشمس والنجوم، وفجّر البحار وسوّى الأكوان، قد اصطفاني رسولاً عنه. بعثني إليك برسالة، وعليك أن تعيش على ما دللتك إليه."
وتقرأ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾
تأمل هذا المشهد بعمق: ملايين الناس اليوم قد اعتنقوا الإسلام، لذا لا نستشعر عظمة وثقل اللحظة الأولى التي حمل فيها النبي ﷺ الرسالة. لو عدنا إلى بداية الإسلام وتخيلنا أنفسنا هناك، لأدركنا ثقل الموقف، وحرارته، وهوله لأنه هو وحده. ماذا لو كنت مكان النبي؟ ما الذي كان سيخطر في بالك؟.... هل سيصدقني الناس؟ أم يسخرون مني؟ هل سأفقد أهلي وأصدقائي ومن حولي؟ ألن تلاحقني الاتهامات ويطاردني الأذى؟ (كما أخبره ورقة بن نوفل، هذا ما سيحدث).
كلّ شيء جاء فجأة، دون سابق إنذار. لم يكن النبي ﷺ في شبابه يتخيّل يومًا أن يصبح نبيًّا، أو أن يُنزّل عليه كتاب، أو أن تُلقى على عاتقه أمانة هداية البشرية إلى خالقها. ولو علم بذلك من قبل، لأعدّ من حوله وهيّأهم، وأخبر أقرباءه وأصحابه بما هو قادم، ليكونوا عونًا له في هذا الطريق الشاق. لكن القرآن الكريم يكشف الحقيقة:
﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًۭا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًۭا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: 52]
﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوٓا۟ أَن يُلْقَىٰٓ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبُ إِلَّا رَحْمَةًۭ مِّن رَّبِّكَ﴾ [القصص: 86]
﴿إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍۢ﴾ [القصص: 85]
وقد بدأت الرحلة ببضع مؤمنين، في الخفاء، ثم امتدت شيئًا فشيئًا، حتى ارتفع الصوت، واشتد الصراع، فصار الإسلام حديث الناس، وموضوع النقاش. ومع مرور الزمن، عبرت هذه الدعوة الحدود، واخترقت القلوب، وانتشرت شرقًا وغربًا، لتغمر الأرض نورًا وهداية.



