لا يخفى على أحد لماذا يقلق ويضطرب من اعتادوا الكسل والإهمال حين يدخل مدير حازم وواعٍ إلى المدرسة. فكل بيئة ترسّخت فيها الفوضى، تهتزّ عند قدوم من يحمل روح الإصلاح، ويضع النظام والانضباط.
الأمر شبيه بما يحدث في شركة ألف موظفوها التراخي والتسيب، فإذا جاء مدير جديد بهمة عالية ورؤية مختلفة، تسلّل القلق إلى قلوب المتقاعسين، يتساءلون: "ما موقفه؟ وكيف ستكون معاملته؟ وهل ستتغيّر الأمور؟"
غير أن بعض الناس يَرجون قدومَ مديرٍ جادٍّ منضبط، إيمانًا منهم بأن الاستقامة لا تكون إلا بالحزم، وأن الفوضى لا يُصلحها إلا النظام. وهكذا هو الدين، لا يأتي ليُقيّد الإنسان، بل ليوقظه من غفلة الشهوات، وينتشله من التراخي، ويهديه إلى درب الفضيلة والانضباط. فمن الطبيعي أن تواجه هذه الدعوة مقاومة من بعض النفوس؛ إذ تميل إلى الراحة وتألف العادة، وتنفر من المصلحة، حتى وإن كان فيه نجاتها وخيرها.
إذا نظرنا إلى حال العرب في القرن السادس الميلادي، نجد أنهم كانوا يعيشون في فوضى أخلاقية عارمة. فقد انتشرت بينهم العادات السيئة من شرب الخمر، والكذب، والظلم، والانتقام، والحروب، والربا، والسرقة، والخداع… كانوا غارقين في الجهل والانحراف، وكأنهم يعيشون في ظلام دامس بلا قيم ولا ضمير.
وبينما هم كذلك جاء الإسلام كضوءٍ ساطع يحمل في طياته رسالة أخلاق ثمينة ورحمة واسعة، لينتشل الناس من وحل الفساد، ويقودهم إلى طريق النور. لكن كما هو متوقّع، لم يرضَ أهل الفساد بهذا التغيير، فقاوموه بشدة، لأن النور يزعج من اعتاد العيش في الظلمة. وكان رؤساء القبائل يعلنون عنادهم قائلين: "لن نسمح بأي تغيير ما دمنا أحياء!"
وهذا الرفض لم يكن جديدًا، فكل نبي واجه مقاومة من قومهم، لم يُستقبلوا بالترحاب، بل وقف في وجههم زعماء القوم وسادتهم، يُحرّضون الناس، ويشعلون نار الفتنة.
كان النبي إبراهيم عليه السلام شخصية محورية تلتقي عندها الرسالات السماوية الكبرى: الإسلام، واليهودية، والمسيحية. دعا قومه الذين عبدوا الأصنام إلى التوحيد لذا واجه السخرية والتهديد، وفي نهاية المطاف ألقوه في النار. لكن الله نجّاه بمعجزة، فخرج منها سالمًا،. (القرآن الكريم: الأنبياء 21: 51–69).
جاء النبي موسى عليه السلام حاملاً رسالة تحرير لبني إسرائيل من عبودية فرعون الطاغية، ومنحهم طريقًا للحياة الكريمة المبنية على الإيمان والعدل. لكنه تعرّض للمطاردة والاضطهاد من قِبل فرعون الجبّار، الذي أعلن الحرب عليه وطارده بجنوده. اضطر موسى وقومه إلى الهجرة والفرار عبر البحر، لكن رغم كل المشقّات، بقي النبي موسى ثابتًا في أداء رسالته، صابرًا محتسبًا. حتى تحقّق النصر وتبدّد الظلم.
(القرآن الكريم: البقرة 2:49–50، الأنبياء 21:51–69)
وجدير بالذكر قصة النبي نوح عليه السلام لأنها من أروع أمثلة الصبر والإصرار في تاريخ الدعوة. فقد قضى قرابة 950 سنة يدعو قومه إلى الإيمان والتوبة، ومع ذلك لم يستجب له إلا قلة قليلة، فيما أغلق الباقون آذانهم وصدورهم عن الحق، مستكبرين ومستهزئين، تاركين أنفسهم في غيّ الضلال.
(القرآن الكريم: نوح 71:1–26)
جاء عيسى عليه السلام حاملاً رسالة التوحيد، لكن البعض خانوه بثمن بخس. خططوا لصلبه وإعدامه، لكن الله تعالى حفظه وأنقذه بمعجزته العظيمة، فأفشل مكائدهم وأبقاه سالمًا.
(القرآن الكريم: آل عمران 3:55).
تاريخ نبي لوط عليه السلام يبيّن كيف يرفض المجتمع الخير حين يُنطق بلغة الحق والفضيلة. كان قومه من أكثر الأمم انحرافًا وفسادًا، حيث سادت بينهم الفسق واللواط التي لم يسبقها أحد من الأمم، وكانت عادتهم الانغماس في المحرمات، حتى أن زوجته منمن يعينهم. وعندما جاءتهم الملائكة في صورة رجال، هاجموهم بشهوة مرضية واحتقروا الأنبياء والرسل بقسوة..
(القرآن الكريم: الأعراف 7: 80-84)
وهكذا كان شأن الأنبياء الكرام شعيب وصالح وهود عليهم السلام، فقد بعثهم الله في أقوام طغى فيهم الفساد، وانتشرت بينهم المظالم والمنكرات. دعوْهم إلى العدل والتقوى دون خوف أو تراجع، رغم ما لاقوه من سخرية واضطهاد.. لقد كانت دعوتهم نداءً للحق في زمن ساد فيه الباطل، ومحاولة لإحياء القلوب في بيئة أنهكتها الأهواء. ومن هنا، لا ينبغي أن نتوقع أن تتغير المجتمعات المنحرفة بين ليلة وضحاها.
كلّ ما سبق ليس مجرّد مشاهد من الماضي، بل هو واقع يتكرّر حتى اليوم. فحين يدخل مدير صالح ومنضبط إلى مكتبٍ تعوّد أهله على الفوضى، يبدؤون بالتخطيط لمقاومته! هذه ليست حالة مجتمعية فقط، بل هي ظاهرة تتكرّر داخل أنفسنا أيضًا. في داخل كلّ إنسان قوى تعمل ضد التغيير، يُطلق عليها "الهوى"، أي الميل الجسدي والنفسي إلى الراحة والشهوات. أحيانًا يلتفّ هذا الهوى حول النفس كما يلتفّ اللحم حول العظم، فيُصعّب على صاحبه التحوّل إلى حياة أخلاقية نقية، ويجعل طريق الإصلاح مؤلمًا كأنّه انتزاع اللحم من العظم.
لكن في المقابل، هناك أناسٌ يكون هوى النفس لديهم خاضعًا للعقل والإيمان، لا جامحًا ولا متسلطًا. في نفوسهم تتهيأ الأرض لزرع الفضيلة، فتنبت الأخلاق، ويزدهر الإيمان.
وقد عبّر النبي ﷺ عن ذلك في قوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به"، أي لا يكتمل إيمان الإنسان حتى يوافق هوى قلبه ما جاء به الوحي من هدي وتشريع.
يا صديقي، ضع إصبعك على صدرك وفكّر بصدق:
هل خُلِقنا لنُسلِم حياتنا لشهوة زائلة أو لهوٍ عابر؟
أم خُلقنا لنسعى نحو هدفٍ أسمى ومعنى أعمق؟
نحن نعيش في قلب تيارٍ جارف من الإغراءات،
فهل نترك أنفسنا تذوب فيه ونغرق؟
أم نواجهه بقوة الإيمان، ونمضي بثبات نحو النجاة؟
الاختيار بأيدينا، والنتيجة تحدد من نكون.



