إذا كان المرء يريد أن يتحدّث في التاريخ، أو العلم، أو النبوءات، دون أن يداخل كلامه أدنى خطأ، وبأعلى درجات الدقة، فكم حياةً يجب أن يكون قد أفناها في التعلم؟ وأيّ جامعةٍ عجيبةٍ تخرّج منها؟ بل حتى إن افترضنا إمكانية تأليف كتابٍ تاريخيّ لا تشوبه شائبة باستخدام كلّ المصادر المتاحة، فكيف يمكن لشخص أن يصوغ قبل قرونٍ مضت، تصريحات علميّة لا يشوبها الخطأ، عن علومٍ تتطور في كلّ لحظة؟ وذلك في القرن السادس الميلادي، زمنٍ لم يعرف الناس فيه حتى المجهر، فضلًا عن الاكتشافات الحديثة أو وسائل الإعلام الرقمية؟ ثم يُقال إن تلك العلوم كانت صحيحة بالكامل، ويُتحدى في ذلك من بلغوا أعلى مراتب التقدم العلمي في هذا العصر الرقمي؟
في رحاب العلم الحديث، حتى العالِم المتألّق ستيفن هوكينغ، لم يتردّد في الاعتراف بأن بعض نظرياته العلمية كانت مشوبة بالأخطاء. فماذا نقول إذن عن أطروحات كوبرنيكوس (Copernicus) غاليليو (Galileo)، وقد مضت عليها قرون؟ لو قارناها بما توصّل إليه العلم المعاصر، لوجدنا كم كانت تلك النظريات مثقلة بالأخطاء. وإن كان جوهر الكتاب الذي أُنزِل على النبي يتناول أمورًا تتصل بالمستقبل، وهي مما لا تطاله يد الإنسان ولا يدركه بعقله، فلا مجال للاعتراض على ذلك. فلنضع إذًا ذلك الكتاب الذي أوحي إلى النبي محمد ﷺ على طاولة البحث، بعيدًا عن كل تحامل أو انحياز، ولنتأمله بعين الباحث المنصف، ونسأل: ما حكاية هذا الكتاب الذي به تحدّى النبي ﷺ البشرية؟ ألسنا نعلم شيئًا من ذلك؟.
مع أنني أشرت إلى ذلك فيما سبق، إلا أنني أرى من الضروري أن أُسلّط الضوء على هذه النقطة مرة أخرى: حين نقول إن في القرآن تاريخًا، فلا يعني ذلك أن القرآن كتابُ تاريخٍ بالمعنى المصطلح. وحين نقول إن فيه علمًا، فلا ينبغي أن يُفهم منه أنه كتابُ علومٍ تجريبية. وحين نقول إن فيه نبوءات، فلا يجوز أن يُظن أنه كتابُ تنبؤات بحت.
هل تظن أهذا تراجعٌ مفاجئ مما ذكرنا أو التفافٌ على ما قلنا؟ أبدًا لا.
فالقول إن القرآن ليس كتابَ تاريخٍ يعني أنه لا يعرض تاريخًا متسلسلًا يبدأ من نقطةٍ محددة، ويتناول سيرة فردٍ أو أمةٍ أو مجتمعٍ بنسقٍ زمنيٍّ متكامل كما تفعل كتب التاريخ. والقول إنه ليس كتابَ علومٍ يعني أنه لا يشرح ماهيّة العلم، ولا مناهجه، ولا طرق إجراء التجارب واستنباط النتائج بالتفصيل كما تفعل الكتب العلمية. فخلاصة القول: إن الأساس الذي نزل من أجله القرآن ليس تعليم الناس العلوم التجريبية.
ينمّي الطلاب في المدارس والجامعات وعيهم العلمي من خلال الكتب الدراسية في مواد كعلم الأحياء والفيزياء والكيمياء، وهي مؤلفات أُعدّت ضمن إطار منهجي منظّم لتعليم العلوم. أما القرآن، فليس من هذا النمط؛ إذ لم يُنزّل ليكون كتابًا علميًّا مُعدًّا وفق مناهج دراسية (Curriculum-based Science Text)، ولا هو من قبيل الكتب التي تُعدّ تحفًا علمية متخصصة في فرعٍ بعينه، مثل Silent Spring لـ Rachel Carson في علم البيئة (Environmental Science)، أو QED: The Strange Theory of Light and Matter لـ Richard Feynman في ميكانيكا الكم (Quantum Mechanics)، أو The Double Helix لـ James D. Watson في علم الأحياء (Biology)، وهي كتب تقوم على أبحاث دقيقة ومعمّقة في مجالات علمية محددة. فالقرآن ليس من هذا الصنف من المؤلفات.
لا بد من بيان هذا الأمر بوضوح، إذ إن التعامل مع أي كتاب دون إدراك حقيقته يؤدي إلى الخطأ. فتصوّر مزارعًا أراد أن يُحسّن زراعته في الحقل، ومزرعة الموز، والبستان، فظن أن عليه أن يقرأ شيئًا ينفعه، فذهب إلى المكتبة واشترى كتبًا مثل "المانجو" لفايلوبلّي (Vailoppalli)، و"عذق الموز" لشانغامبوزها (Changampuzha)، و"الأرز" لفَلسلا (Valsala)، وقرأها. فالواضح أن موسمه الزراعي المقبل لن يكون إلا خرابًا محققًا!
خلاصة القول: ينبغي ألّا يقع هذا الخطأ في فهم القرآن. فالغاية القصوى من هذا الكتاب أن يوجّه الإنسان، مخلوق الله، إلى كيفية العيش في الأرض بروح من الإنسانية والأخلاق، ليقوده ذلك إلى خالق الكون، ويهديه إلى الخلاص في الآخرة. وقد تضمّن القرآن كل ما يلزم لتحقيق هذه الغاية، بعضها ورد بشكل مفصل، وبعضها ورد على هيئة إشارات وتوجيهات.
فهو يخاطب الإنسان العاقل، ولذلك نجد القرآن يشعل فكره، ويوجه تأملاته نحو آفاق الطبيعة والكون بمستوياته المختلفة، ويعرض باستمرار إشارات كونية، وأمثلة وجودية، وطبقات علمية متنوّعة.
وهذه الإشارات ليست مجرد عرضٍ أحاديّ الاتجاه، بل تأتي في صيغة دعوات صريحة إلى النظر والتأمل والبحث، من قبيل: "أفلا تنظرون"، "أفلا تتفكرون"، "أفلم يسيروا"، وغيرها من العبارات التي تحث على الاستكشاف والدراسة. فليست وظيفة القرآن ـ كما يظن البعض خطأً ـ أن يكون كتابًا فقهيًّا جامدًا يفرض مجموعة من الطقوس والعبادات بشكل قسري. بل رؤية القرآن أن الإنسان لا يبلغ حقيقة الوجود إلا بالرؤية، والسمع، والملاحظة، والعلم، والتفكر، والسير في دروب التأمل والمعرفة.
فالقرآن لم يورد الإشارات والنظريات العلمية من أجل العلم لذاته، ولا لأجل التطور والتقدم العلمي، ولا لاكتشافات جديدة أو لتحديث التكنولوجيا، بل استخدمها فقط لتوجيه الإنسان نحو غاية الحياة، وبيان كيفية تحقيق هدف الحياة.
وبمعنى آخر، أراد القرآن أن يدفع الإنسان إلى التفكير العميق. فالبشر متفاوتون في اهتماماتهم؛ فبعضهم يهتم بالنباتات، وآخرون بالحيوانات، وآخرون بالكواكب، ومنهم من يهتم بالرياضيات، أو المحيطات، أو بجسم الإنسان. والقرآن، وهو يراعي هذه التفاوتات، يقدّم إشارات وتوجيهات تسوق التفكير نحو شتى فروع العلم، وتحث كل إنسان على التأمل بحسب ميوله واهتمامه.
وعند التأمل في ذلك، نجد أنّ ما ورد في القرآن من إشارات يمكن تصنيفه علميًّا ضمن مجالات متعددة؛ كعلم الأحياء، وعلم الأجنة، وعلم الوراثة، وعلم تشريح الإنسان، وعلوم الأرض، وعلوم باطن الأرض، وغيرها من الفروع العلمية، حيث أضاء القرآن على حقائق لم تُكتشف إلا بعد زمن طويل.
ومن باب الاستكشاف والتفكّر، فلنغُص قليلًا في بعض هذه الإشارات القرآنية الواردة.
علم الفلك (Astronomy) – حركة الأجرام السماوية
القرآن 6:75، 10:3
إشارات إلى خلق الشمس والقمر والنجوم.
علم الأحياء (Biology) – بما فيه علم الأجنة (Embryology)
القرآن 23:12–14، 36:77–80
وصف لمراحل تطور الجنين البشري في الرحم.
علم النبات (Botany) – الحياة النباتية
القرآن 6:98، 20:54
ذكر خلق النباتات ودورها في الحياة.
علم المناخ (Climatology) – أنماط الطقس
القرآن 2:164، 24:43
إشارات إلى الرياح والأمطار كدلائل على قدرة الله.
علم الجيولوجيا (Geology) – تركيب الأرض
القرآن 81:3–4
إشارات إلى تثبيت الجبال في الأرض.
علم المياه (Hydrology) – دورة الماء
القرآن 23:18، 35:9
ذكر لنزول الماء من السماء ودوره في استمرار الحياة.
علم المحيطات (Oceanography) – دراسة البحار
القرآن 24:40، 55:36
تناول لاتساع البحار وعمقها وحدودها.
علم الحفريات (Paleontology) – دراسة الحفريات
القرآن 6:158، 36:34
إشارات إلى الأمم السابقة وبقاياها كعِبر.
الفيزياء (Physics) – تشمل الميكانيكا والبصريات
القرآن 2:258، 24:35
ذكر لخلق النور وخصائصه.
علم الزلازل (Seismology) – دراسة الزلازل
القرآن 99:1–3
إشارة إلى اهتزاز الأرض كعلامة لقدرة الله.
علم الحيوان (Zoology) – حياة الحيوانات
القرآن 6:38
ذكر خلق وتنوع الكائنات الحية.
علم التشريح (Anatomy) – تركيب الكائنات
القرآن 86:6–7
ذكر لعظام الإنسان ولحمه.
علم وظائف الأعضاء (Physiology) – عمل أعضاء الجسم
القرآن 22:5
إشارات إلى خلق السمع والبصر.
علم الكونيات (Cosmology) – نشأة الكون
القرآن 21:30، 50:1
خلق السماوات والأرض من كتلة واحدة.
علم الملاحة (Navigation) – تحديد الموقع والاتجاه
القرآن 16:80، 2:164
استخدام النجوم كوسيلة للملاحة.
علم التكاثر (Reproduction) – تكوين الإنسان
القرآن 2:221، 76:2
ذكر خلق الإنسان من قطرة ماء.
الزراعة (Agriculture) – زراعة النباتات
القرآن 2:260، 20:54
ذكر لبذر البذور ونموها.
الخيمياء (Alchemy) – الشكل البدائي للكيمياء
القرآن 81:19–20
إشارات رمزية لتحول شيء سيئ إلى آخر حسن.
علم الإنسان (Anthropology) – الثقافات الإنسانية
القرآن 2:213، 49:13
تشديد على تنوع البشرية وأهمية فهم اختلاف الثقافات.
الرياضيات (Mathematics – الحساب الأساسي):
القرآن 6:96
يشير إلى أهمية القياس والتوزيع العادل.
علم الحشرات (Entomology):
القرآن 27:62
يتحدث عن "الدواب التي تزحف"، مبرزًا تنوّع مخلوقات الله.
علم الوراثة (Genetics):
القرآن 31:34
يشير إلى فكرة السمات الوراثية من خلال خلق كل إنسان في "أزواج".
المنطق والاستدلال العقلي (Logic and Reasoning):
القرآن 2:111، 16:125
يدعو إلى التأمل، والجدال بالحسنى، والاستدلال المنطقي لفهم آيات الله.
الطب والعلاج (Medicine):
القرآن 16:69
يُذكر أن الله وضع "شفاءً" في بعض الأطعمة والنباتات.
علم التغذية (Nutrition):
القرآن 2:168، 6:141
يرشد إلى اختيار الطعام الصحي وتجنّب ما هو ضار.
علم النفس (Psychology):
القرآن 12:100، 16:98
يتناول الجوانب العاطفية والنفسية للإنسان، مشيرًا إلى صراعاته الداخلية وحالاته الذهنية.
علم الاجتماع (Sociology):
القرآن 2:213، 49:13
يؤكد على أهمية فهم البنية الاجتماعية والتفاعل بين المجتمعات المختلفة (كما ورد سابقًا).
لو تم التوسّع في شرح كل مجال بتفصيل دقيق، لتجاوز ذلك حجم هذه الورقة بكثير؛ لذا اقتصرنا على الإشارات المختصرة.
لا يزال جمعٌ كبير من العلماء حول العالم يدرسون القرآن الكريم بعقلية نقدية منذ قرون، ورغم ذلك، لم يتمكّن أحد حتى اليوم من إثبات تعارضٍ بين آيةٍ قرآنيةٍ واحدةٍ ونظريةٍ علميةٍ ثابتة! بل إن عددًا من العلماء الذين أقبلوا على القرآن بنية النقد، وجدوا أنفسهم مبهورين بدقّته وغزارة معانيه.
وقد لاحظ المتخصصون في العلوم المختلفة، حين قرؤوا القرآن من زاويتهم العلمية، أن الكتاب يقدم أحيانًا القول الحاسم في موضوعاتهم. فكم من ناقدٍ دخل من باب الاعتراض، فخرج من باب الإيمان، بل وأصبح يدعو الآخرين للقراءة والتأمل.
لا تظن أن ما يُقال هنا مجرّد رواية خيالية. نحن في عصرٍ تتألّق فيه تكنولوجيا المعلومات، حيث يمكن لأيّ أحد أن يفحص هذه الموضوعات، ويدرسها، وينتقدها، ويردّ عليها إن استطاع. فليس المطلوب الاكتفاء بالاستماع وهزّ الرأس بالموافقة، بل إن البحث النقدي هو السبيل، وأبوابه مفتوحة لك، فأهلاً بك إلى ساحته.



