هل تذكر من أين بدأت رحلتنا في هذه النقاشات؟
لقد أدرك العقل أن لهذا الكون خالقًا، لكننا نجهل السبيل إليه وتفاصيله. فتهنا في الحيرة، حتى جاءنا نبي يقول: نعم، كما ظننتم، هذا العالم لم ينشأ من عدم ولا من تلقاء نفسه، بل له خالق، وأنا أعرف الطريق إليه، وقد أُرسلت إليكم منه، ومعي دليل لا يُدحض. ومن هنا انطلقت خطانا نحو القرآن، ثم إلى التاريخ والعلم والنبوة.
ولكن، اسمح لي بسؤال: من هو المحافظ (collector) في منطقتك؟
نعم، السؤال كما هو، ولم يتغير، ولم يُصَب السائل بارتباك، هذا مؤكد.
فأخبرني: من هو محافظك؟
في الغالب، يكون المحافظون من خارج منطقتنا، لا نعرف عنهم شيئًا، ولا نسمع بأسمائهم إلا عندما تعلن وسائل الإعلام عن تعيينهم. ومع ذلك، لا نعرف عنهم نشأتهم، ولا طفولتهم، ولا تعليمهم، ولا طباعهم، ولا معتقداتهم، ولا أمانتهم، ولا نحاول أن نعرف.
أما من جاءنا يدلّنا على طريق الخالق، فلم يكن غريبًا عنا، ولا مجهولًا لنا، بل كان واحدًا منا، وُلد بيننا، وعاش بيننا، وكان معروفًا لنا جميعًا مثل الماء الصافي في كأس زجاجي؛ إنه محمد النبي ﷺ.
هو لم يكن موضع طعن حتى من ألدّ أعدائه، وهذه حقيقة تاريخية لا ينكرها منصف. فلو قام رجل ذو ماضٍ مضطرب ليهدي قومه، لقال الناس: "ألسنا نعرفه؟! الآن فقط صار صالحًا؟!"، لكن الأمر مع النبي ﷺ مختلف تمامًا؛ فقد عاش فيهم عمرًا طويلاً، عُرف بالأمانة والصدق، ولم يُؤخذ عليه زلل. ولذلك خاطبهم القرآن الكريم على لسانه قائلًا:
﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 16]
هل أطرح عليكم سؤالًا آخر؟
أغلبكم رأى والده ويعرف اسمه ومعلومات عنه، لكن عدد من رأى جده ويعرف اسمه أقل. فدعوني أسأل: كم منكم يعرف اسم والد الجد؟ قلة قليلة، أليس كذلك؟ بل وبثقة، أسأل: من منكم يعرف اسم والد والد الجد؟ لا أحد. هذه هي حالنا، لأننا لم نولد في قصور تُدوَّن فيها الأنساب بدقة.
لكن، هل سمعتم يومًا بأمر لا مثيل له في التاريخ؟ ها هو ان النبي محمدًا ﷺ، الذي وُلد يتيمًا، يُمكن لملايين الناس إلى اليوم أن يذكروا أسماء عشرين من آبائه، متتابعة، بكل وضوح. فقد سجلها التاريخ بأعلى درجات الدقة.
لقد أعلن النبي رسالته وهو يعيش في قلب المجتمع المكي، في حياة مكشوفة يعرفها كل واحد منهم. ألسنا إذا رأينا طفلًا يظهر نشاطًا وذكاءً مميزًا في صغره نقول: "له مستقبل عظيم"؟ كذلك – بل أعظم – كانت ملامح النبل والتميّز بادية في محمد ﷺ منذ طفولته، ولم يكن ذلك أمرًا يلاحظه واحد أو اثنان فقط، بل شاهده كثيرون، وفي مناسبات متعدّدة.
أيضا جاءت الإشارات إلى قدوم نبي في المستقبل في جميع الكتب السماوية السابقة، وكانت تلك المرحلة من التاريخ مليئة بالتوقّع على نبي والانتظار بين كثير من الناس، استنادًا إلى ما ورد في النصوص القديمة والحسابات الزمنية المتداولة. وعندما بلغ النبي محمد ﷺ سن الثانية عشرة، رافق عمه أبا طالب في رحلة تجارية إلى الشام، وهناك التقى الراهب النصراني بحيرى، الذي تميّز بمعرفته في كتب أهل الكتاب، فلما رأى الفتى، أدرك فيه سمات النبوة القادمة، وقال ناصحًا: "احذروا، فقد يسعى اليهود لإيذائه".
وعندما وُلد النبي ﷺ يتيمًا، أعرضت النساء عن إرضاعه، إذ رأين فيه فقرًا ولا سند له، لكن حليمة السعدية أخذته، فحلّت عليها من البركة والرخاء ما لم تعهده من قبل، حتى صار بيتها رمزًا للخير المرسل. وشهد ورقة بن نوفل، قريب خديجة وعالم الكتب السماوية، حين رأى النبي ﷺ شابًا: "إنه هو النبي الذي كنّا ننتظره".
لم يكن النبي ﷺ شخصًا منشغلًا بشؤونه الخاصة فقط، بل كان ناشطًا اجتماعيًا يهتم بالمحرومين، والعاطلين، والجائعين، ومن سُلبت حقوقهم، يخدمهم ويسعى لرفع معاناتهم. وتميّز بقدرة عالية على إدارة الأمور بحكمة وبدبلوماسية راقية.
وفي أحد مواسم الأمطار الغزيرة، تدفقت السيول من الجبال حتى غمرت الكعبة، فبادر أهل مكة إلى إعادة بنائها. وعندما وصلوا إلى موضع الحجر الأسود، اختلفوا: من يضعه في مكانه؟ فاتفقوا أن أول من يدخل من جهة الصفا يُحكّمونه، فدخل محمد ﷺ. فهم ﷺ حساسية الموقف، فطلب رداءً، ووضع الحجر عليه، ودعا شيوخ القبائل ليمسك كلٌّ بطرف، فرفعوه سويًا، ثم وضعه ﷺ بيديه في موضعه، فحلّ النزاع بابتسامة.
تأمل كيف يقدّم القرآن الكريم زبدة هذه المعاني مصفّاة نقية، إذ يظهر فيه جليًّا الأساس العقلي لقبول رسالة النبي محمد ﷺ.، وهي الآية 157 من سورة الأعراف
﴿ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلْأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبٗا عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلْأَغْلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ — الأعراف: 157
تُعرض سيرة النبي ﷺ اليوم بوضوح لا لبس فيه. وتجمع الجزيرة العربية في القرن السادس أنه، رغم نشأته في مجتمعٍ اعتاد التغنّي بالخمر والنساء والحروب، لم يُظهر أي ميلٍ إلى ذلك لا شعريًّا ولا سلوكيًّا طوال أربعين عامًا من عمره. وفي بيئةٍ لم تكن تفرض أي قيود على السلوك الأخلاقي، لم يُعرف عنه قط أنه شرب خمرًا أو اقترف فاحشة أو تفوّه بكلمةٍ فاحشة، بل كان مثالًا في الصدق والاستقامة، حتى لقّبه قومه بـ"الأمين"، اعترافًا بسداد خلقه ونقاء سريرته.
بعيدًا عن صحة المعلومات ودقتها، ثمّة أمر آخر ينبغي أن ننتبه إليه عند تقييم مصداقية الخبر، وهو: من قاله؟ أتتذكّرون حين أخبرتنا "أمّنا" ذات مرة بوفاة الجار؟ حزِنّا فورًا وقلنا: "إنا لله"، لأننا نعرفها منذ أكثر من أربعين عامًا، ولم نسمع يومًا أنها كذبت. فحين تقول إن الجار توفي، أو إن شجرة الموز سقطت، أو إن البيض قد فقس وخرجت منه خمسة صيصان، أو إن ابنة الكبرى بلغت، لا نحتاج للتحقّق؛ لأن من قال ذلك هو "أمّنا"، وهذا وحده كافٍ ليجعل الخبر بالغ الموثوقية.
قد تنشأ بين الأصدقاء – بل وبيننا نحن أحيانًا – علاقات عميقة تُبنى على رصيد طويل من المعايشة والمشاركة، كصديقين نشآ معًا في قرية واحدة، وتشاركا لعب الطفولة ومقاعد الدراسة، ثم عملا في المكتب ذاته والمجال نفسه، حتى أصبحت بينهما لغة صامتة من الثقة المطلقة. فيقول أحدهما عن الآخر: "إن كان هو من قال، فالأمر لا يحتاج إلى بحث"، فيُصدّق القول قبل أن يعرف مضمونه. ومثل هذه الثقة حين تبلغ هذا المقام، تكون من أبهى صور الروح الإنسانية.
وهذا ما بلغَه أبو بكر الصدّيق في علاقته بالنبي محمد ﷺ؛ إذ لم يكن يسأل عن تفاصيل ما قيل، بل يكتفي بأن يعرف القائل. فإن قاله محمد ﷺ، فهو عنده الصدق الذي لا يحتمل شكًا. لقد ترسّخت مكانة النبي في قلب أبي بكر رسوخ الجبال، فلا تهتزّ لها ريح. وحين شاع خبر الإسراء والمعراج، وسخر الناس منه، لم يكذب أبو بكر، بل قال بثقة الواثق: "إن كان قد قال، فقد صدقت". أي إننا لا نُصدّق الكلام فقط لأنه صحيح، بل لأن قائله صادق لا يُشكّ في قوله؛ فننتقل من الثقة به إلى الإيمان بمضمون الكلام.
هل يبدو أننا نعلي من شأن الشخص أكثر من جوهر الفكرة؟ أو أننا مطالبون بقبول كل ما يقوله من يُنظر إليه على أنه رجل صالح، حتى لو كان كلامه يخالف المنطق والعقل، لمجرد مكانته؟
أبدًا، ليس هذا هو المقصود. دعنا نشرح المسألة بصورة أوضح وأكثر دقة.



