تخيّل أنك تمسك ورقة كبيرة من حجم A3، وبيدك قلم ومسطرة. ابدأ برسم نقاط متقاربة جدًا على امتداد مستقيم، بحيث تبدو كأنها خط متصل. ثم ثبت إصبعك على النقطة التي في منتصف هذا الخط تمامًا. تلك النقطة تمثّلك أنت.
النقاط التي وراءك تمثّل أمك، ثم جدّتك، ثم أجيالاً من الأسلاف الذين سبقوك عبر الزمن. والنقاط أمامك هي أولادك، ثم أحفادك، ثم أحفاد أحفادك، جيلاً بعد جيل. هكذا إلى ما لا نهاية له.
تخيّل نفسك جالسًا في غرفة هادئة، وحدك تمامًا، والباب مغلق. فكّر في نفسك وفي مكانك في هذا العالم.
أنت نقطة صغيرة جدًا في نهر الزمن الطويل. فكّر: ما مدى تأثيرك؟ من يعرفك؟ ربما والداك، أبناؤك، أجدادك، أو أحفادك. لكن هناك آلاف، وربما ملايين من الناس، مرّوا من قبلك، وسيأتون بعدك، ولا تعرف عنهم شيئًا، وهم أيضًا لا يعرفونك.
ورقة كبيرة فيها آلاف النقاط. كل نقطة تمثل إنسانًا. اختر نقطة في أول الورقة، قد تكون جدّك البعيد. لا تعرفه، ولا يعرفك. ثم اختر نقطة في المنتصف، تمثّلك أنت. بعدها بقليل، نقطة أخرى تمثّل حفيدك الذي قد يولد بعد سنين طويلة.
هكذا هي الحياة، سلسلة من الناس، من الماضي البعيد إلى المستقبل البعيد. كل واحد فينا مجرد نقطة في هذا الخط الطويل.
جئت إلى هذا العالم، عشت ومضيت معتقدًا أنك محوره، لكن العالم لم يتوقف لك، بل مضى في طريقه كما هو دائمًا. نحن لا نكون أكثر من ومضة في شريط الزمن الطويل؛ لحظة عابرة بين يقظة وغفوة، نرتدي خلالها أدوارًا متغيرة: نكون ملوكًا أو فقراء، نحب ونكره، نحارب ونُقتل، نضحك ونبكي. مهما بلغنا من مال أو جاه، نظل مجرد نقطة صغيرة في مجرى الزمن، نبدأ معه ونتلاشى فيه، دون أن نترك أثرًا دائمًا.
هيا، افتح الباب... لننطلق في رحلةٍ طويلة. إنها قاسية، والشمس حارقة، والصحراء تلفح وجوهنا، والمسافة بعيدة. نشعر بالتعب، أليس كذلك؟ والعرق يتصبب.
ها هي هناك، شجرة ظلّ تنتظرنا. أسرِع، لنرتاح قليلًا تحتها. آه... نسيمٌ عليل يمر بنا. لكن قبل أن يحلّ الظلام، علينا مواصلة الطريق، فالجلوس طويلًا قد يُبعدنا عن المسار. هيا، انهض.
هذا هو عمر الإنسان... مجرد استراحة قصيرة في رحلة طويلة.
نرتاح قليلاً على جانب الطريق، وربما نستند أو نستلقي لبرهة قصيرة، ثم نتابع المسير. فالراحة مؤقتة، لا تستحق التوقف الطويل. لكن بعضهم ينشغل بتزيين محطة الاستراحة؛ يجمع الأغصان، يصنع مأوى، يفترش اللحاء، يزرع حديقة، يحفر بركة، ويُجري جدولاً صغيرًا... فينسى وجهته، ويستريح في الطريق دون أن يبلغ الغاية.
ليست المحطة هي الهدف، بل الوصول. فلا تنخدع بجمال الراحة العابرة.
تصور رجلاً خرج لحضور مقابلة عمل، لكنه غرق في برودة غرفة الانتظار المكيّفة بمحطة القطار، حتى نسي المقابلة!... مهاجرا ترك وطنه باحثًا عن نفقات العيش، فإذا به ينفق كل ما يملك ليحوّل غرفته المستأجرة إلى قصر صغير، ناسيًا الهدف الأكبر. هكذا نحن، نركض خلف رغباتنا التي لا تنتهي، حتى تذوب أعمارنا مثل قطرات ماء على صفيح ساخن…
قال الشاعر الإنجليزي الشهير روبرت هيريك:
اقطف براعم الورد سريعًا، فهذه الزهور التي تبتسم اليوم، قد تذبل وتموت غدًا.
فيها دعوة إلى اغتنام لحظات الحياة قبل أن تذبل كما تذبل الزهور.
كم سمعنا مرارًا وتكرارًا كلمات ويليام شكسبير التي ذاع صيتها.
Life's but a walking shadow, a poor player, That struts and frets his hour upon the stage, And then is heard no more. It is a tale Told by an idiot, full of sound and fury. Signifying nothing.
"الحياة ليست سوى ظلٍ يمضي، وممثلٌ مسكينٌ يمرح قليلًا على المسرح، يدور ويتكلم، ثم لا يُسمع له صوت. إنها كقصة يرويها أحمق، مليئة بالصخب والضجيج، لكنها بلا معنى."
هكذا هو حال الكثيرين… حياة لا تحمل معنى، حكاية مشوشة بلا هدف.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة، فقال تعالى:
"اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ، كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا…"
وفي الحديث الشريف:
"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل."
ألسنا بحاجة إلى أن نتفكر في أسرار هذه الحياة التي نولد فيها بالأمس، ونعيش اليوم، ونُدفن غدًا؟
إن لم يكن لحياتنا معنى سامٍ، فما الفرق بيننا وبين الأشجار؟ بل، ما قيمتنا في هذا الكون إن لم نسعَ إلى تحقيق الغاية التي خُلقنا من أجلها؟ ما هو النجاح الحقيقي في أعمارٍ قصيرة فكر يا أخي العزيز.



