فبحسب ما قلت، أليس المعنى أن الإيمان لا يكتسب قيمته الحقيقية إلا إذا كان نابعًا من اختيار الإنسان دون الإرث والجبر، وأن الإيمان الذي يُورَّث دون تفكّر لا روح فيه، ولا يكون عقلانيًا أو ذا معنى إلا إذا وصل إليه بنفسه، عن قناعة وتأمل.؟!
نعم، هذا هو بيت القصيد. فعندما يصل الإنسان إلى مرحلة النضج العقلي، يصبح من الضروري أن يتأمل بصدق في نفسه: من هو؟ لماذا يعيش؟ ما هدفه في هذه الحياة؟ وما الذي يؤمن به؟ لا يكفي أن يسير خلف ما ورثه دون تفكر، بل عليه أن يبحث عن الحقيقة بعقله وقلبه معًا. هذا هو السبيل إلى إيمان صادق ومعنى حقيقي للحياة، ولا شك في ذلك أبدًا.
فعلى هذا، الإيمان لا يكون تقليدًا أعمى أو اتباعًا بلا فهم، بل اختيارا واعٍ نابعا من تفكّر صادق. فالقرآن الكريم، الذي يُعدّ مرجع الإيمان، لا يزال يوقظ في الإنسان عقله ووعيه، فيسأله: "أفلا تعقلون؟" "أفلا تتفكرون؟". وتشتدّ لهجته أحيانًا لتبيان خطورة الغفلة، فيقول: "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور"، بل يصف الغافلين بأنهم كالأنعام، بل هم أضل.
فالقرآن يدعونا لأن نفتح أعيننا ونتفكر، أن نبحث ونتأمل ونعيش الحياة بعقلٍ حيّ، لا أن ندفن عقولنا ونسير وراء الظلال دون وعي. فالدين وُجد ليوقظ فينا نور العقل، لا ليُغلقه.
﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ﴿قُلْ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۖ قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ (سورة الملك: 23، 24)
أيضا يحث القرآن على التفكير ويحث على تحرر العقل من القيود.
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌۭ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌۭ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ﴾ (سورة الأعراف: 179)
أحيانا يستخدم لغة رائعة ليوقظ الفكر العقل بالأمثلة الكونية، فيقول:
"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ"
(سورة آل عمران، آية 190-191)
هذه الآيات تدعو العقلاء إلى التأمل في عظمة الكون، مما يعمّق إيمانهم ويزيد وعيهم. فعندما يفكر العاقل بعمق وصدق في أي شيء يراه أمامه، مهما كان بسيطًا مثل حبة قمح أو قفزة ضفدع، أو حتى شيء تافه كالتراب أو قطعة صغيرة من الغبار، فإنه يصل في نهايته إلى الحقيقة العظمى والجوهر الحقيقي لكل شيء.
ففي نهاية المطاف، لا بد من التأمل والتفكير بعمق. من يقتصر عالمه على قريته الصغيرة، بيته، نومه، عمله، وحياته المحدودة، يشبه الحيوان الذي لا يعي سوى حركات أقدامه، فالفرق بيننا وبينه مجرد مظهر، لأن العقل فإما غائب أو غير مستخدم. لنتحرر وننهض بفكرنا، ولنستخدم عقولنا حتى نكتشف معنى الحياة وغايتها الحقيقية. فلنشرع في رحلة البحث والتمحيص، حينها سيتجلّى الكون كله كدليل بديع على وجود الله.



