أنا كتبت الشاي.
هي شربت الأرز.
هو أكل السيارة على الطريق.
الأم قطّعت كاري السمك.
العمال غنّوا المبنى.
القطار تعفّن بسرعة كبيرة.
السائق قتل الفرامل فجأة.
وقفوا السكر في اللبن.
اقرأ هذه الجمل مرة، ثم أخرى، ثم مرة ثالثة بتأنٍ وتركيز.
هل شعرت بشيء؟ كأن من كتبها يعاني اضطرابًا، أو أن دواءه تغيّر؟ هل راودك مثل هذا الشعور؟
لنوضح أمرًا منذ البداية: للإنسان حدود في رؤيته وسماعه وإدراكه.
فعندما نقول: "في مثل هذا الوقت من صباح الأمس الساعة العاشرة"، نشعر بوضوح ذهني. لكن إن قلنا: "في صباح مشابه قبل عشر سنوات"، يبهت المعنى قليلاً. وإن قلنا: "في هذا اليوم من هذا الشهر قبل مئة عام"، تبدأ الغشاوة تتكاثف في أذهاننا.
وكلما عدنا إلى الوراء أكثر، ازداد هذا التعتيم. فحين نقول: قبل ألف مليون سنة، أو عشرة آلاف بليون سنة، أو مئة ألف مليون سنة — فإننا، في الحقيقة، لا نُدرك المعنى، بل نكتفي بنطق الكلمات، إذ عقولنا ليست رحبة كفاية لتصوّر ذلك الزمن.
وكلما مضينا إلى الوراء، أكثر فأكثر، ازداد الغموض وتراكم الضباب في وعينا. فحين نقول: ألف مليون سنة، عشرة آلاف بليون سنة، أو مئة ألف مليون سنة مضت، فإننا لا نفعل أكثر من نطق الأرقام، إذ لا تملك عقولنا السعة ولا القدرة لتخيّل ذلك الزمن على وجه الحقيقة.
وهذا يعود إلى طبيعة العقل البشري، فهو لا يستوعب إلا ما له صلة بتجربته المحسوسة. فنحن، كلما سمعنا شيئًا، نسعى غريزيًّا لربطه بما نعرفه ونألفه. الإنسان بطبيعته لا يدرك بسهولة إلا ما هو ملموس ومجسّد، أما الأمور المجرّدة أو الغيبية، فإنّ عقله يقف أمامها حائرًا، لا لعجز في الفكرة، بل لقصور في العقل.
كلّنا سنبلغ الكِبَر يومًا ثم نرحل عن هذه الحياة. لكن جرّب أن تتأمّل فكرة الزمن اللانهائي بعمق، ولو لنصف ساعة. لا نتحدث عن ألف أو عشرة آلاف أو حتى عشرة ملايين مليار سنة، بل عن زمنٍ يتجاوز كل حدّ، ويستمرّ بلا نهاية. تَقدَّم، ثم تقدَّم، ثم تقدَّم… لا يكفي أن تمرّ على هذه الكلمات مرورًا عابرًا، بل أغمض عينيك بإحكام، واستدعِ الفكرة في قلبك وعقلك.
فماذا تكتشف حينها؟ هل للزمن نهاية؟ هل يشيخ ويموت كما الإنسان؟ أم يُصاب بأزمة في شبابه، أو بسكتة في شيخوخته، فيموت الزمن ذاته؟!
لن يحدث شيء من ذلك، فالزمن ماضٍ في امتداده كما هو. وإن عجزنا عن استيعابه، فالقصور فينا، لا فيه. فكما نطحن الكركم والفلفل في طاحونة الدقيق، لا يمكننا أن نطحن بها الصخور السوداء الصلبة؛ فلن تتحرك، ولن تطحن. وكذلك إن وضعنا في الكسارة جبلًا من الصخور لمجرد أنها مشهورة بالطحن، فلن تعمل. وهكذا هو العقل البشري، له حدود لا يتجاوزها.
باختصار، ما الذي نحاول قوله؟ نحن وُجدنا، وسنزول. في هذا الكون، توجد أشياء كثيرة، لكن لا شيء منها يبقى إلى الأبد. لا شيء كان موجودًا منذ الأزل. كل شيء يتبدل ويتغير باستمرار. والسؤال الجوهري هو: من الذي أوجد كل هذا في البداية؟ هناك من يقول: لقد وُجدت من تلقاء نفسها. لكن عندما نبدأ بطرح السؤال الحقيقي مرارًا وتكرارًا: هل يمكن أن ينشأ شيء من العدم المحض دون سبب؟ يتعثرون، ويتراجعون، وينزلقون نحو الحكايات والسيناريوهات المتخيلة.
يقول المؤمنون: لا يمكن لشيء أن ينشأ من العدم بلا سبب. ولا شيء يتحوّل دون تدخّل قوة خارجية. فقلادة الأخت الرفيقة لا تنتقل فجأة إلى جيب السارق دون فاعل. خلف ذلك كانت قدرة تُدبّر. لا ورقة تهتز من دون ريح، ولا دخان يتصاعد من غير نار. ولهذا، فإن كل ما في الوجود خلقه الله. وحين يقول المؤمنون ذلك، يُطرح السؤال المعهود: إذًا من خلق الله؟
إنه خطأ ناتج عن التفكير بعبارة تقف عند حدود العقل. فالله هو خالق كل المخلوقات، وكل ما في الكون من أشياء وأحداث إنما هو من صنعه، وهو الخالق الأول المطلق. أي أننا أمام ثنائية واحدة: الخالق، الثاني الكون. وكل ما سوى الخالق داخل في نطاق الكون. ولا يوجد خالق آخر له، ولا يمكن حتى تصور ذلك. فقولنا "من خلق الله؟" لا معنى له، لأنه لا يُسأل عن الخالق كما يُسأل عن المخلوق. هل يُقال: "شربت الأرز" أو "القطار تعفّن"؟ هذه عبارات لا تستقيم. كذلك، لا يُعقل أن نسأل: من خلق الخالق؟ لأن السؤال نفسه يفترض خطأً في المفهوم. لأن العقل البشري لا يستطيع إدراك كل شيء، ولا استيعاب كل تصور. وسنفصل ذلك لاحقًا.



