هل شعرت بالخوف وأنت تجلس منحنياً في صالون الحلاقة؟ إن لم يحدث ذلك، فعليك أن تبدأ بالخوف من الآن،! لأنك تجلس ساكنًا، وهناك شخص غريب يمسك بيده مقصًا حادًا وشفرة لامعة، يتحرك في رأسك ورقبتك، يقص هنا، ويعدّل هناك، والخطر يرقص على أطراف أنامله. لحظة واحدة فقط لو فقد فيها توازنه أو أخطأ في الحركة، قد تتحول هذا إلى قصة مأساوية. فإذا فكّر في كل ذلك، من يستطيع أن يجلس مطمئنًا وخاضعًا أمام هذا الحلاق؟.
ليس فقط قلب الحلاق، بل إن هذا الكون الواسع بأسره يقوم على خيط رفيع من التوازن الدقيق. كل شيء من حولنا يسير بانسجام عجيب، لكنه هشّ للغاية. في أي لحظة، قد ينهار هذا النظام. لذا إن تأملت بعمق، ستجد أنه من الصعب أن تلعب، أو تنام، أو تسير، أو تسافر، أو حتى تغفو مطمئنًا بكل هدوء. مثلاً ربما يتسلل اليأس إلى نفس أي سائق، أو قائد قطار، أو طيّار في أي لحظة، فيفكر قائلاً: "كفى، دعني أنهي كل شيء وأرحل معهم!" فماذا نفعل.
قد نظن أن كل شيء تحت سيطرتنا، مثل السيارة التي نقودها، لكن الحقيقة أن قلوبنا ليست بيدنا. فالقلب، كما تدل تسميته، يتقلب ويتغير من حال إلى حال، وهذا ما أكده النبي ﷺ حين شبّه القلب مثل ريشة معلقة في صحراء، تتقلبها الرياح يمنة ويسرة. لذا القلب في كل لحظة يتغير؛ فصباحًا يكون على حال، وقبل المساء على حال آخر، وإذا جاء الليل، صار شيئًا مختلفًا تمامًا.
يبدو البحر والشاطئ في أجمل مشهد من الانسجام، وكأن بينهما وُدّ، فالموج يلامس الرمال برفق، كما لو أنه يضع رأسه في حضن حبيب. لكن من يدري متى يثور البحر فجأة ويتجاوز حدوده؟ وكذلك الجبال التي نراها شامخة كل يوم، من يستطيع أن يتنبأ بلحظة انهيارها؟ والأبنية الشاهقة التي شيدناها فوق الأرض، لا نعلم متى تهتز الأرض من تحتها فتهاويها. حتى الجراثيم، لا نعرف متى وأين تظهر، ولا مدى خطورتها. إننا نعيش في عالم يبدو هادئًا، لكنه يخفي في طياته احتمالات الانفجار في أي لحظة.
كورونا لم يكن سوى شيء صغير، ولم نتمكن إلا من السيطرة على جزء محدود منه. لكن من من يستطيع أن يجزم بأن في مختبرات الأحياء الدقيقة لا تتكوّن الآن فيروسات مرعبة وخطيرة تفوق ما عرفناه؟
فإذا ما انفجرت تلك الجراثيم غير المرئية، التي لا تقوى عليها لا الكمامات ولا المواد الكيميائية المطهّرة، فبأي قناع سنغطي وجوهنا؟ وفي أي ماء نغسل أيدينا.
لقد اعتدنا على نظام عالمي مألوف منذ زمن طويل، ونمضي قدمًا بثقة في استمراره كما هو. وبينما ننعم بهذه الراحة، نتجاهل عمدًا احتمال أن ينهار هذا النظام في أي لحظة دون سابق إنذار. الجو من حولنا حار، وسيزداد حرًّا في بعض الأشهر، ومع ذلك نأمل في هطول المطر كما اعتدنا في الماضي. لكنه في الحقيقة، مجرد هدوء من الطبيعة لا أكثر. فعلينا أن نفكر بجدية: ماذا لو لم تهطل الأمطار؟ ليس ليوم أو يومين، بل لأشهر طويلة. الجداول تجف، الأنهار تنضب، النباتات تذبل، والحيوانات والبشر يموتون وتنتشر رائحة الموت. فلمن نلجأ؟ ومن نشتكي؟
نحيا لأن الماء موجود في الطبيعة، فهو سر الحياة وأساس البقاء، لكن ماذا لو جف هذا الماء؟ من سيمنحنا ماءً عذبًا نشربه ونروي به ظمأنا؟ إنه سؤال بالغ الأهمية، يطرحه القرآن بقوة، كأنه يغرسه في أعماق عقولنا ليوقظنا من غفلتنا. فهو ليس مجرد سؤال، بل إشارة تنبيهية، لأن القرآن كتاب هداية وإشارات، والإنسان هو من يُحسن فهم هذه الإشارات ويحوّلها إلى معنى واسعة. ربما اختبرنا فترات جفاف بسيطة، لكن لا بد أن نتصور الجفاف القاسي الذي يدعونا القرآن إليه ثم نفكر في تلك الحالة.
وللماء وجه آخر أيضًا، وهو تدفقه العنيف الخارج عن السيطرة، ما نسميه بالفيضانات والسيول. تخيّل وطنك غارقًا تحت الماء، ثم تخيّل أن المطر الغزير يستمر لأربعة أسابيع إضافية، من سيبقى على قيد الحياة؟ وأي عالم يمكنه التحكم في هذا المطر أو إيقافه؟ إذا هطلت علينا قوة مائية هائلة لا يمكن السيطرة عليها، فمن يملك زر الإيقاف؟ نحن الذين نظن أن كل شيء بأيدينا، هل نملك فعلًا القدرة على الوقوف أمام غضب الطبيعة؟
نزرع البذور في الأرض، فتنبت وتثمر كما اعتدنا، وكأن ذلك نظام ثابت لا يتغير. لكن لم يمنحنا أحد وعدًا مكتوبًا بأن هذا النظام سيستمر إلى الأبد. فإذا امتنعت البذور عن الإنبات، وتوقفت النباتات عن الإثمار، فإلى من نرفع شكوانا؟ وفي أي صندوق نضعها؟
عندما نستلقي ليلًا، لا تمضي إلا لحظات حتى يأتينا النهار ويغمرنا بنوره، وإذا أنهكنا العمل في النهار، يأتي الليل ليمنحنا السكون والراحة. نعيش هذا التناوب يوميًا، حتى نظن أنه قانون لا يتغير. لكن من قال إن الليل والنهار وُجدا بضمان دائم؟ ماذا لو طال النهار ولم يعقبه ليل؟ أو خيّل إليك أن الليل امتدّ بلا نهاية، ظلام دامس لا نور بعده؟ في مثل تلك اللحظات، إلى أي دائرة نرفع شكوانا؟ وأي مسؤول نراجعه؟. الآيتان المشار إليهما هما من سورة القصص، الآيتان 71 و72، وفيهما يطرح القرآن الكريم سؤالًا بليغًا يهزّ أعماق الإنسان، ليجعله يدرك ضعفه ويفكر في نِعَم الله من حوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ ۚ أَفَلَا تَسْمَعُونَ ﴾
[القصص: 71] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾
[القصص: 72] كم منّا سبق له أن فكّر في هذا الأمر بجدية؟.
عندما تنقطع الكهرباء لأكثر من نصف ساعة، نسارع بالاتصال بمكتب الكهرباء لتقديم الشكاوى. ولكن إن تأخر شروق الشمس، فلمن نشتكي؟ وأي موظف سنخاطب؟ وإذا طال التعب ولم تأتنا برودة الليل، فأمام أي مقرّ حكومي سنعتصم؟ ولأي وزير سنلوّح براية الاحتجاج؟
ألسنا عجبًا من الناس؟ لماذا نُرهق أنفسنا بالتفكير في الكواكب والمطر والرياح والشمس، بينما نحن أنفسنا كونٌ آخر؟ أليست آلاف الشرايين التي يتدفق فيها الدم في أجسادنا هي ما تجعلنا نقف، ونسير، وننام؟ لكنها ليست ملزمة بأن تواصل الجريان دومًا. فماذا لو فاضت فجأة، أو توقفت؟ ألن نصبح حينها عاجزين تمامًا، بلا حركة ولا حياة؟
إذا فقد الحلاق صوابه ووضع الشفرة على عنق أحدهم، أليس من حقنا تقديم شكوى لدى الشرطة؟ لكن ماذا لو توقف فجأة جريان الدم في رأسي أو عبر شرايين قلبي، دون أي خطأ مني؟ فإلى أي دائرة حكومية نرفع شكوانا؟ وفي أي مركز شرطة نسجل البلاغ؟
رغم امتلاكنا للأقمار الصناعية والرادارات والروبوتات وGPS، فإننا إذا تأملنا، ندرك كم نحن ضعفاء. فلنعلن بصدق ما قاله الخالق: "خُلق الإنسان ضعيفًا". لا يمكن للطائر أن يطير إلا إذا خفّ وزنه، ولا يمكن للعقل أن يسمو إلا إذا تواضع. فما أقل ما نعلم، وكم من المجهول لا يزال أمامنا؟.



